ليست كل المعارك تخاض من أجل المبادئ، وليست كل الأصوات المرتفعة صوت حق. فهناك من اعتاد العيش على الفتات، واكتفى بدور التابع الذي ينتظر ما يلقى إليه من موائد النفوذ والمصالح، حتى فقد القدرة على التمييز بين الكرامة والمنفعة، وبين الموقف والثمن.
إن من تربى على ثقافة الامتيازات الصغيرة والهبات الموسمية وتنظيم المهرجانات لتسويق التفاهة والرداءة لا يستطيع أن يقف في صف الشرفاء عندما تشتد المواجهة. فالشرفاء يدفعون ثمن مواقفهم من راحتهم ومصالحهم، بينما يحرص أصحاب الفتات على حماية ما بأيديهم ولو كان زهيدا لذلك تراهم أول من يبرر، وأول من يصفق، وأول من يهاجم كل صوت حر يرفض الانحناء.
التاريخ يعلمنا أن أصحاب المبادئ لم يكونوا يوما من المنتفعين والواقفين في الطابور أمام موائد لصوص الشعب وانما كانوا غالبا في مواجهة شبكات المصالح التي تتغذى على الصمت والخوف والتبعية. فحين يطالب الشرفاء بالشفافية والمحاسبة والعدالة، يشعر المنتفعون بالخطر، لأن بقاء مصالحهم مرتبط باستمرار الواقع . فالحرب بين الشرفاء وأصحاب المصالح غير المتكافئة ليست مجرد خلاف في الرأي، انما صراع بين قيمتين، قيمة الكرامة وقيمة المنفعة، بين من يدافع عن الحق مهما كانت الكلفة، ومن يبيع موقفه مقابل مكسب عابر.
ويبقى الرهان دائما على وعي الناس، لأن المجتمعات لا تنهض بأصحاب الفتات والمنبطحين، وانما بأصحاب المواقف المبدئية. أما الذين اعتادوا الارتزاق من الهامش فلن يكونوا يوما في مقدمة معركة الإصلاح، انما سيبقون يدورون في فلك من يمنحهم ما يسد حاجتهم ويضمن صمتهم. والحقيقة البسيطة التي تؤكدها التجارب أن من امتلأت بطنه بالفتات لا يمكنه أن يخوض حربا مع الشرفاء لمصلحة الشعب، لأن المعركة تحتاج إلى ضمير حر وحي، لا إلى حسابات الربح والخسارة.
نعرف اننا في زمن اختلطت فيه الأصوات بالضوضاء، وأصبحت المنصات مفتوحة لكل من أراد أن يصرخ أكثر لا أن يفكر أكثر، بات من السهل على البعض أن يرفع عقيرته بالاتهامات والشعارات الرنانة أمام جمهور لا يبحث عن الحقائق بقدر ما يبحث عن الإثارة والرقص على الجراح. فالضجيج لا يحتاج إلى دليل والافتراء لا يتطلب شجاعة أما الحقيقة فطريقها شاق ومكلف.
إن الذين يتقنون فن الصراخ في المهرجانات الممولة من طرف تجار الوهم السياسي غالبا ما يعجزون عن مواجهة الوقائع المجردة. يهاجمون الأشخاص بدل مناقشة الأفكار، ويهربون إلى التشويش كلما طرحت الأسئلة الحقيقية. فالحقيقة لا تهزم بالصوت المرتفع والرقص على إيقاعات الفساد المستشري في أوعية المؤسسات العاجزة عن تقديم خدمات للمرتفقين نظير الصحة والتعليم والأمن والشغل… ، ولا تمحى بكثرة التهجمات وتحريك البيادق، لأنها تظل ثابتة مهما حاول البعض حجبها خلف ستار الدعاية والتضليل.
الجهل هو البيئة الخصبة لازدهار تجار الضجيج ومنظمو مهرجانات التفاهة. فكلما غابت المعرفة وضعفت ثقافة النقد والتحليل، وجد هؤلاء فرصتهم لتسويق الأوهام وتزييف الوعي الجماعي. أما حين يحضر العقل وتعرض الأدلة وتفتح الملفات بشفافية، فإن كثيرا من الأصوات المرتفعة تخفت فجأة وتنسحب وتنكمش، لأن الحقيقة لا تترك مجالا للمناورة.
الفرق كبير بين من يملك الحجة ومن يملك مكبر الصوت. الأول يبني موقفه على الوقائع والوثائق والثاني يعتمد على التهويل والتشويه. وبينهما يبقى الرأي العام مطالبا بالتمييز بين من يخدم الحقيقة ومن يستثمر في الضجيج لتحقيق مصالحه الخاصة.
فليس كل من صرخ كان محقا، وليس كل من التزم الهدوء كان ضعيفا. أحيانا يكون الصمت الواثق أقوى من ألف خطاب، وتكون الحقيقة الصلبة أقوى من جيوش من المصفقين والمبرنقين والتابعين. لذلك سيظل من السهل إثارة الضجيج أمام الجهلة، لكنه سيبقى من الصعب دائما الوقوف في وجه الحقيقة عندما تكشف وجهها كاملا. اعتقد ان الرسالة واضحة لزعيم الضجيج المدعي عسفا الانتماء إلى صناع الكلمة والفن والابداع، لان صناع الفكر والمعرفة يعيشون على المبادئ لا على العطايا والهبات وتلميع لصوص الشعب في المهرجانات التي تركب صهوة الفعل الثقافي بدون لجام. لاحظ اننا لا نستعمل كلمات التبرير والتنطع بل نناقش الفعل لا ردات الفعل.
![]()

تعليقات ( 0 )