في زمن اختلطت فيه الأدوار وتراجعت فيه الحدود الفاصلة بين الثقافة والاستعراض المجاني وتسليع الثقافة، لم يعد مستغربا أن يتحول بعض من كانوا يراهم الناس نخبة واعية و يحسبون على النخبة الفكرية والأدبية إلى مجرد أبواق للدعاية، ينحشرون في مهرجان، ويبررون كل تبذير، ويمنحون شرعية ثقافية لضجيج لا ينتج فكرا ولا يبني وعيا حضاريا ومتقدما.
أصبحت المهرجانات لدى فئة من المحسوبين على قبيلة المثقفين والكتاب والصحافيين موسما للارتزاق الرمزي والمادي لا مناسبة للنقاش الثقافي الجاد والمسؤول الذي يساهم في التنوير وإشاعة روح الإبداع. فبدل أن يمارسوا دورهم الطبيعي في النقد والتقويم والمساءلة اختاروا الاصطفاف إلى جانب تنظيم الفرجة تماما مثل مموني الحفلات، الاخطر انهم تحولوا إلى مروجين للخطاب الرسمي يزينون الواقع ويحالون اخفاء تناقضاته والاحتياجات الأساسية للسكنة في التطبيب والتعليم والامن والشغل خلف الأضواء واللافتات والحفلات الصاخبة.
إن أخطر ما في الأمر ليس وجود مهرجانات تستهلك المال العام وتساهم في التدجين وفرملة الاصلاحات والتغيير، انما في وجود (نخبة) تبرر الاستهلاك والرعي الجائر في اموال دافعي الضرائب وتدافع عنه باسم الثقافة والتنمية والانفتاح. فالثقافة الحقيقية لا تحتاج إلى مكبرات صوت عملاقة ولا إلى منصات الرقص والغناء والاكثار من الضجيج انما تحتاج إلى مكتبات حية، ومدارس جيدة، ومسارح منتجة، ومجلات فكرية، وفضاءات للنقاش الحر تعزز الديمقراطية وترفع من قيمة حقوق الانسان. أما حين تصبح الثقافة مجرد حفلة عابرة تنتهي بانطفاء الأضواء، فإننا نكون أمام عملية ممنهجة لإفراغ المفهوم من محتواه.
الطامة الكبرى تحول بعض المثقفين إلى خبراء في تلميع الرداءة وتسويق الوهم. يكتبون المقالات المادحة، ويلتقطون الصور التذكارية، ويتسابقون إلى المنصات طلبا للظهور، بينما تغرق المدن في مشاكلها الاجتماعية والثقافية الحقيقية وحين يرتفع صوت ناقد أو معارض، يسارع هؤلاء إلى اتهامه بالتشدد أو العداء للفن وكأن النقد أصبح جريمة، وكأن التصفيق هو المعيار الوحيد للحداثة والانفتاح.
إن النخبة التي تتخلى عن وظيفتها النقدية تفقد مبرر وجودها بالمروة وعليها الانسحاب او الصمت. والمثقف الذي يتحول إلى بوق دعاية يفقد صفته الأخلاقية قبل أن يفقد مكانته الفكرية. فالتاريخ لا يتذكر المصفقين والمهرولين إلى موائد رموز الفساد السياسي والمالي والإداري، بل يتذكر أولئك الذين امتلكوا شجاعة طرح الأسئلة الصعبة في وجه الإجماع المصطنع.
إن ضجيج المهرجانات قد يخفي الحقائق لبعض الوقت، لكنه لا يستطيع أن يصنع نهضة ثقافية. فالوطن الذي يجمعنا ان يتقدم بعدد الحفلات التي تنظمها، بل بعدد العقول التي تنتج المعرفة، وعدد الأصوات الحرة التي ترفض أن تتحول إلى أدوات في ماكينة الدعاية.
وحين يصبح التصفيق مهنة، والنقد تهمة، والفرجة بديلا عن الفكر، فإننا لا نكون أمام أزمة مهرجانات فقط وانما أمام إعلان غير رسمي عن نهاية النخبة كما عرفها المجتمع المتحضر، نخبة السؤال والوعي والالتزام بالقضايا المصيرية للانسان، لا نخبة الميكروفون والبطاقات الدعوية والصور التذكارية .
![]()

تعليقات ( 0 )