عندما يتحول اشباه (الشعراء والكتاب) إلى مهرجين ومنشطي مهرجانات

يعد الشاعر في الذاكرة الإنسانية ضميرا يقظا، والكاتب شاهدا على عصره، يزعج السلطة حين تنام على أخطائها، ويوقظ المجتمع حين يستسلم للرداءة. لم يكن الأديب مجرد صانع كلمات، بل صاحب موقف ورسالة ورؤية متقدمة. لكن المشهد الثقافي اليوم يكشف عن ظاهرة مؤلمة وخبيثة تحول بعض المدعين الانتساب إلى جيش (الشعراء والكتاب) من حملة مشاعل الفكر إلى منشطي مهرجانات ومروجي احتفالات وممارسي فنون التهريج الثقافي.

لم تعد المنصة عند بعضهم فضاء للإبداع ونشر المثاقفة و النقد و مساءلة الواقع وكشف المثبطات والعراقيل، لكنها صارت خشبة لاستعراض المجاملات وتبادل عبارات المديح الفارغة والأنكى أن هذه العينة التي الفت المال الدسم والربح السريع تنتقل بين المهرجانات كما يتنقل الفنانون بين الحفلات، يحملون قصائد جاهزة للتصفيق وكلمات مصممة لإرضاء المنظمين والرعاة لا لإثارة الأسئلة أو تحريك الوعي.

الأخطر من هذه الكائنات الهلامية أن بعضهم تخلى عن دوره الطبيعي كمثقف مستقل ومبدع ليتحول إلى جزء من ديكور الاحتفالات الرسمية يصفق حيث يجب أن ينتقد ويبارك حيث يجب أن يحاسب ويغني للنجاحات الوهمية بينما تتراكم الأزمات الحقيقية وفي لحظات الانتشاء يصبح ملمعا للفساد والتمويه وتدثير المطالب الشعبية في الازدهار والرقي و التنمية وهكذا تتحول الثقافة من سلطة رمزية إلى أداة تزيين وتلميع.

أصبح المشهد في بعض المناسبات أقرب إلى عروض فكاهية منه إلى لقاءات ثقافية ، شاعر يبالغ في الثناء على مسؤول او شخصية هوائية، وكاتب يتسابق لالتقاط الصور التذكارية لعيش اللحظة، ومثقف يوزع الابتسامات والعبارات المنمقة بحثا عن دعوة جديدة أو تكريم جديد أما القضايا الكبرى التي يفترض أن تشغل المثقف والتثقيف والإبداع  ونشر الوعي فتؤجل إلى أجل غير مسمى.

ليس العيب في المشاركة في المهرجانات المخدومة، فالمهرجان الثقافي فضاء مشروع للتواصل والإبداع وليس في تلميع وجوه المفسدين ولصوص المال العام والعيب حين يصبح المهرجان غاية في حد ذاته وحين تتحول الثقافة إلى وسيلة للظهور الشخصي ويصبح التصفيق أهم من الفكرة، والصورة أهم من الكلمة والعلاقة أهم من الموقف.

التاريخ لم يخلد الشعراء لأنهم كانوا أكثر الناس حضورا في الحفلات لكن لأنهم كانوا أكثرهم صدقا مع قضايا مجتمعاتهم. ولم يبق من الكتاب من أتقنوا فن المجاملة لكن من امتلكوا شجاعة قول ما لا يريد الآخرون سماعه.

إن المثقف الذي يفقد استقلاليته يتحول تدريجيا إلى منشط مناسبات، والشاعر الذي يتخلى عن رسالته يصبح مجرد مؤد على منصة معدة لتمرير الضحالة والاسفاف مهما ارتدى من ألقاب ومهما حصد من شهادات التكريم. فالثقافة ليست زينة للمهرجانات وطريقة لتدثير الفساد السياسي والتغطية على العجز في تحقيق تطلعات الساكنة ،فالمثقف والكاتب في الفهم العام ضمير الشعب وحين يتحول الضمير إلى مهرج تصبح المأساة أكبر من أن توصف بقصيدة.

Loading

Share
  • Link copied
تعليقات ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (Number of characters left) .