مهرجان التفاهة …ذهبت السكرة وغابت الفكرة

في زمن الأزمات المتشعبة في الاقليم تتراكم الأسئلة الحقيقية حول التعليم والصحة والبطالة والثقافة والتنمية والنزاهة والشفافية يطل علينا بين الفينة والأخرى ما يمكن تسميته مهرجان التفاهة كرنفال عبثي ترفع فيه الشعارات البراقة وتسلط عليه الأضواء الكاشفة، بينما يغيب المضمون وتختفي الفكرة تحت ركام الضجيج.

أصبح المشهد العام في كثير من المناسبات شبيها بحفل صاخب فقد بوصلته. وجوه تتكرر، وخطابات مستهلكة، وصور تذكارية أكثر من المشاريع، وتصفيق أكثر من الإنجازات. أما المواطن الذي يفترض أن يكون محور كل هذه الأنشطة، فيكتفي بدور المتفرج على عرض لا يعرف له بداية ولا يفهم له نهاية.

أخطر ما في مهرجان التفاهة ليس التفاهة نفسها تحولها إلى قيمة اجتماعية وإعلامية ويصبح صاحب الفكرة الجادة والمطالب المشروعة في العيش الكريم وفي مؤسسات وطنية غريبا في محيطه ومنح صانع الضجيج صدارة المشهد فاننا أمام انقلاب حقيقي في سلم الأولويات لان الفكر والتنوير تراجع أمام الاستعراض والمعرفة وأمام الشهرة العابرة والكفاءة أمام الولاءات والمجاملات.

ولأن التفاهة لا تعيش إلا في الفراغ فإنها تبحث دائما عن المنصات التي تمنحها الشرعية ومن لا يملكون مشروعا متقدما يتحدثون باسم التنمية، ومن لا يملكون ثقافة يقدمون دروسا في الثقافة، ومن لم يحققوا إنجازا واحدا يتصدرون المنابر باعتبارهم نماذج للنجاح.

ذهبت السكرة وغابت الفكرة. سكرة الأضواء والكاميرات والمهرجانات الموسمية التي انتهت بانتهاء آخر صورة منشورة على مواقع التواصل الاجتماعي أما الفكرة التي تصنع الفرق وتبني المستقبل وتؤسس للوعي غابت أو غيبت عمدا لأنها تزعج تجار الوهم وتفضح خواء المشهد.

المجتمعات لا تتقدم بالاحتفاء بالمظاهر والبهرجة بل بالاستثمار في العقول. ولا تنهض بالتصفيق للمهرجين لكنه بفتح المجال أمام أصحاب الكفاءة والإبداع والنقد المسؤول فالتاريخ لا يخلد الضجيج، وإنما يخلد الأفكار التي غيرت الواقع ووسعت أفق الإنسان.

فالسؤال الذي ينبغي طرحه اليوم ليس كم مهرجانا نظمنا، ولا كم صورة التقطنا، ولا كم منصة شيدنا، بل ماذا أضفنا للإنسان؟ ماذا قدمنا للشباب وماذا صنعنا للمستقبل؟ إذا استمر المشهد على حاله، فسنظل ندور في حلقة مفرغة، ننتقل من مهرجان إلى مهرجان، ومن ضجيج إلى ضجيج، بينما تظل القضايا الحقيقية تنتظر من يجرؤ على التفكير فيها بدل الاحتفال بنسيانها.

مهرجان التفاهة اوعندما أصبح الفراغ نجما ،حين نقوم بدراسة للمشهد العام بالاقليم فاننا نكتشف ان التفاهة لم تعد ضيفا عابرا على المشهد العام، فقد اصبحت مؤسسة قائمة بذاتها ونجما ساطعا، لها أنصارها ومروجوها ونجومها وحفلاتها الموسمية. وان بعض المهرجانات والأنشطة باتت تقدم نموذجا صارخا لكيفية تحويل الفراغ إلى حدث، والضجيج إلى إنجاز، والعجز إلى مادة للاحتفال.

ولم يعد يهمنا ماذا قدمتم للاقليم والمدينة و كم صورة التقطتم ووكم لافتة علقتم وكم مرة ظهرتم أمام الكاميرات؟ المهم ليس الفكرة، بل إطار الصورة. وليس المشروع، بل منصة التدشين. أما النتائج، فتلك تفاصيل مملة لا تليق بعشاق الأضواء.

في مهرجان التفاهة والرقص على الجراح المندملة و المتقحية لا مكان لأصحاب العقول الثقيلة هؤلاء يفسدون الاحتفال بأسئلتهم المزعجة. يسألون عن الميزانيات والحصيلة والأهداف والجدوى وينظر إليهم باعتبارهم كائنات غير منسجمة مع روح العصر، عصر التصفيق الجماعي لكل شيء، حتى لو كان لا شيء.

هناك من تجار الثقافة والوهم من اكتشف أن الطريق إلى الشهرة لا يمر عبر العمل والإنجاز لكن عبر صناعة الضجيج. يكفي أن تكرر الكلام نفسه عشرات المرات، وأن تحيط نفسك بجوقة من المصفقين، وأن توزع الابتسامات والوعود كما توزع المنشورات الدعائية، لتصبح فجأة خبيرا ومفكرا وصانعا للأحداث.

وكلما ازدادت الأزمات عمقا في الاقليم، ازداد الاحتفال صخبا. المدارس تعاني، والشباب ينتظرون فرصا ضائعة، والمرافق تتآكل، لكن لا بأس. فالمهم أن تستمر الحفلات، وأن تبقى مكبرات الصوت أعلى من صوت الواقع.

وصلنا في اقليم المتناقضات إلى مرحلة أصبح فيها بعض صناع الفراغ يتحدثون عن التنمية الشمولية والإشعاع والإقلاع الاقتصاديكما يتحدث الممثل عن دوره فوق خشبة المسرح. كلمات كبيرة، وتعابير منمقة، وحماس مصطنع، ثم ينتهي العرض، وتنطفئ الأضواء، ليكتشف الجمهور أن كل ما شاهده لم يكن سوى ديكور من الورق المقوى.

وحين تذهب السكرة، سكرة التصفيق والظهور والاستعراض، لا يبقى سوى السؤال العميق و المؤجل، أين الفكرة أين الأثر أين المنجز الذي يستحق الاحتفاء؟ ويبدو أن السؤال نفسه أصبح فعلا مشاغبا في زمن التفاهة. فالأفكار الجادة لا تحصد التفاعل السريع والاهتمام اللازم، والعمل الحقيقي لا يصنع ضجيجا كافيا، والإنجاز الصادق لا يحتاج إلى فرقة موسيقية ترافقه في كل خطوة.

إن أخطر ما نعيشه اليوم في الإقليم ليس انتشار التفاهة والرقص على الجراح وتصنيفه قهرا وعسفا في خانة الإبداع ومحاولة تقديمها باعتبارها نجاحا بدون تقديم المرتكزات،حين يصبح الفارغ قدوة، والانتهازي خبيرا، والمصفق مثقفا، فإننا لا نكون أمام أزمة أشخاص،   اننا أمام أزمة ذوق ووعي ومعايير. وعندها يتحول المشهد كله إلى مهرجان كبير يرقص فيه الجميع حول الفراغ فلا عجب أن تصارع الفكرة وحيدة خارج القاعة .

لاحظوا اننا لازلنا نناقش  الفكرة ونتائج الفكرة وليس الاشخاص وراء الفكرة وهؤلاء سنفرد لهم حيزا من النقد الهادف والمسؤول ونشرح توجهاتهم المعرفية ونضعهم تحت المجهر لنعرف  مفهوم الثقافة في وعيهم والاشعاع المفترى عليه .

Loading

Share
  • Link copied
تعليقات ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (Number of characters left) .