حين يتحول الفشل إلى مؤامرة يرمي الفاشل بكلمات الحسد والجهل كملاذ أخير

هناك من يعتقد أن النجاح حق مكتسب وأن التصفيق يجب أن يرافق خطواته مهما كانت متعثرة وأن الإعجاب واجب على الآخرين حتى عندما تكون النتائج هزيلة والأداء باهتا وحين تصطدم هذه القناعة الصلبة بجدار الواقع يبدأ بالبحث عن شماعة تعلق عليها أسباب الإخفاق فلا يكون التقصير تقصيرا ولا سوء التدبير سوء تدبيرا ولا اختيار الزمان والمكان والاسماء اختيارا سليما فيصبح الحسد التفسير الجاهز والجهل هو التهمة المعلبة التي توزع بسخاء على كل من يجرؤ على النقد.

إن أخطر أشكال الفشل ليست تلك التي تنتهي بخسارة مشروع أو سقوط فكرة انه تلك العمليات البريئة التي تفقد صاحبها القدرة على مراجعة الذات والاحتكام الى الضمير وسؤال النفس الامارة بالاتهامات هل المنطقة بحاجة الى مهرجانات للرقص على الجراح والمواطن يعيش الفقر ويرى كيف تنهار المنظومة الصحية ولا يجد علاجا و كيف تحول الاقليم الى بؤرة للجريمة واعتراض سبيل المارة وكيف يقتل التلاميذ في النقل السري ولا يجدون سيارة نقل مدرسية ولا سيارة اسعاف ….، فالفاشل لا يمتلك شجاعة الاعتراف بأخطائه ويصر على اتهام الآخرين بالحسد والجهل وضعف الإدراك وبتلك الهرولة يغلق على نفسه أبواب التعلم والتطور بل يقلل من الاحترام مما يدفع الاخرين الى الرد بقسوة.

في كثير من الأحيان لا يكون الناقد حاسدا بل مراقبا يرى ما لا يريد صاحب الفشل أن يراه ولا يكون المعترض جاهلا بل قارئا جيدا للواقع لكن بعض الأشخاص يفضلون الهروب إلى منطقة الراحة النفسية حيث تتحول كل ملاحظة إلى مؤامرة وكل نقد إلى استهداف شخصي وكل رأي مخالف إلى دليل على سوء نية ومحاولات الهدم والفرملة.

لقد أصبح اتهام الناس بالحسد وصفة جاهزة لتبرير العجز فبدلا من تقديم الإنجازات المحققة يتم الاختباء وراء المظلومية وبدلا من الإجابة عن الأسئلة المشروعة يتم التشكيك في نوايا السائلين إنها محاولة يائسة لتحويل الأنظار عن جوهر المشكلة فمن حق المواطن الاستفسار عن النتائج و الأثر الملموس لان المهرجان ممول من اموال دافعي الضرائب.

والحقيقة أن النجاح لا يحتاج إلى محامين يدافعون عنه فالمنتوج الهادف يتحدث عن نفسه أما الفشل فيحتاج دائما إلى قصص جانبية تبرره ليتسمر في ممارسة الرعي الجائر في اموال الشعب لذلك نجد أن أصحاب الإنجازات الحقيقية نادرا ما ينشغلون باتهام الآخرين بالحسد وسوء الفهم لأن أعمالهم هي التي تتكفل بالرد بينما ينشغل أصحاب الإخفاقات بصناعة الأعداء الوهميين وتوزيع الاتهامات في كل الاتجاهات.

إن المجتمعات التي تتقدم هي تلك التي تجعل النقد حقا مشروعا، والمساءلة ضرورة حضارية والمراجعة فضيلة أما المجتمعات التي يتحول فيها كل نقد إلى حسد وكل اختلاف إلى جهل فإنها تفتح الباب واسعا أمام الرداءة لتتزين بثوب الضحية.

ويبقى الفارق واضحا بين من يواجه فشله بشجاعة فيتعلم منه وبين من يواجهه باتهام الآخرين فيغرق فيه أكثر، فالحسد ليس تفسيرا لكل إخفاق والجهل ليس صفة لكل مخالف، وضعف الإدراك الحقيقي يبدأ عندما يعجز الإنسان عن رؤية أخطائه وهو يفتش عنها في وجوه الآخرين.

وحتى لا نبطل وضوء صاحب المنجزات العظيمة في مهرجان( التفاهة برعاية الثقافة) دعونا اولا نفهم اسباب تقريب السلطات والقوى السياسية للجمعيات المطاطية وتقدم كل التسهيلات والامكانات، ففي زمن الأزمات الحقيقية حيث تنتظر المدن مشاريع تنموية وفرص شغل ومستشفيات ومدارس تليق بكرامة المواطن يتم تمويل ( المهرجانات) لامتصاص غضب الشارع والالتفاف على المطالب المشروعة وزرع التفرقة، فالمهرجانات فرصة ذهبية للجمعيات الكربونية لخطف الدعم الدسم وتحول تنظيم المهرجانات عند البعض إلى سوق مفتوح للتسول الثقافي والرقص المجاني والتفاهة المنظمة والتجارة المربحة في الكلام المعلب.

فما إن يقترب موعد أي مهرجان حتى تنطلق آلة الدعاية الضخمة لتسويق الوهم شعارات براقة عن التنمية والثقافة والإشعاع الحضاري وخطب جاهزة عن الانفتاح والتسامح والإبداع بينما الواقع يقول شيئا آخر، فالمنصات الصاخبة بالضجيج، والميزانيات المهمة، وجمهور يطلب منه أن يصفق أكثر مما يطلب من المنظمين أن يبرروا.

بعض منظمي المهرجانات خبراء في صناعة الخطابات الجاهزة كلمات محفوظة تتكرر كل سنة، كأنها خرجت من مصنع واحد ( تشجيع الشباب) (تنشيط الاقتصاد المحلي)، (إشعاع المنطقة)، (الانفتاح على العالم). لكن حين يسأل المواطن البسيط عن الأثر الحقيقي لهذه الشعارات لا يجد سوى مزيد من الضجيج ومزيد من الأسئلة المعلقة.

أما التسول الثقافي في المغرب فقد اتخذ شكلا جديدا وأكثر أناقة، لم يعد الأمر مقتصرا على مد اليد في الشارع لقد أصبح تسولا مؤسساتيا باسم الرعاية والدعم والشراكة والتمويل، الجميع يبحث عن نصيبه من الكعكة، والجميع يتحدث باسم الثقافة، حتى تحولت الثقافة نفسها إلى ضحية تتلقى الضربات من كل اتجاه.

وامام قوة الضجيج والدعايات الرخيصة تدفع التفاهة إلى الواجهة باعتبارها إنجازا حضاريا فيحتفى بالسطحي لترسيخ التسطيح، ويمنح الميكروفون لمن يجيد إثارة الضجيج أكثر مما يجيد إنتاج الفكرة، أما أصحاب الكفاءات الحقيقية والمبادرات الجادة فيتركون على الهامش لأنهم لا يجيدون الرقص على إيقاع المصالح.

ولأن الكلام أصبح سلعة مربحة ازدهرت التجارة في التصريحات والبلاغات والخطب. كلمات كثيرة، صور أكثر، ونتائج أقل، يخرج راعي الرداءة  ليتحدث عن النجاح ويطعن  ويتهم الحاسدين قبل أن يبدأ التقييم، ويعلن المنظم عن الإنجاز قبل أن يظهر الأثر، وتوزع عبارات الشكر والثناء كما توزع المنشورات الدعائية.

إن المشكلة ليست في الفن ولا في الثقافة ولا في الاحتفال بالحياة. المشكلة تبدأ عندما تتحول المهرجانات إلى غاية في حد ذاتها وعندما يصبح الرقص بديلا عن التنمية، والضجيج بديلا عن الحوار، والشعارات بديلا عن الإنجاز، والكلام المعلب بديلا عن الصراحة والمحاسبة وحينها يصبح من حق المواطن أن يتساءل هل نحن أمام مهرجان للثقافة حقا أم أمام مهرجان لجمع الدعم والرقص والتفاهة والتجارة في الكلام المعلب…؟

Loading

Share
  • Link copied
تعليقات ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (Number of characters left) .