التيارات الفكرية والسياسية والثقافية في المجتمعات العربية والإسلامية وسؤال :ماذا تبقَّى… ؟

هل يمكن لنا أن نكون متشائمين ، ونطرح السؤال ماذا تبقى ؟ في العديد من المجالات في المجتمعات العربية والإسلامية ، وفي الحقيقة إذا أردنا تعميم هذا السؤال بهذه الكيفية ، سنستهدف حقولا وميادين كثيرة ومتنوعة سواء الفكرية أو السياسية أو الثقافية وما إلى ذلك ، نحن نطرح هذا السؤال من منطلق أن هناك تراجع كبيرو خطير وحالة ركود وبوار تعيشها هذه المجالات اليوم ، أو بعض العناصر المكونة لها على الأقل ، مما يدفعنا للاستفسار والتساؤل المشروع عن أهم أسباب هذا التراجع والسير بخطى حثيثة نحو الضمور والاضمحلال ، بعدما كانت في بداياتها تشكل زخما كبيرا وتعرف تطورا منقطع النظير ، وحركية دائبة حتى أمست جزء لا يتجزأ من الواقع الفكري أو السياسي أو الثقافي في هذه المجتمعات ، فماذا حصل الآن حتى صارت الأمور تسير نحو النهايات والأفول أو نحو الترهل في أحسن الأحوال ، حتى لا نفقد الأمل في استرداد هذه المجالات بريقها المفقود والعودة إلى الساحة أكثر قوة وعنفوانا ؟ إذا أردنا أن نضرب مثلا في المجال السياسي حول هذا الموضوع ، يمكن أن نطرح السؤال التالي : ماذا تبقى من اليسار اليوم في المغرب على وجه التحديد ؟ ماذا تبقى من هذه المدرسة التي يتقاطع فيها السياسي بالفكري والأدبي والإبداعي عامة ؟ ألم يكن الكاتب والشاعر والفيلسوف أسير اليسار في سبعينيات القرن الماضي لأن اليسار كان يشكل فكرا بديلا قياسا بما كان يبديه يمين الدولة من شراسة حيال كل فكر مختلف ، حداثي يسعى للتغيير ؟ ولو أردنا القيام بجرد لأهم المثقفين والمبدعين في كل مجالات الإبداع والإنتاج الفكري الذين احتضنتهم هذه المدرسة لما أسعفتنا هذه الورقة ، لقد كان مقياس المثقف هو الانتماء إلى اليسار ، الذي لم يكن في البداية سوى فكرة طموحة انقدحت في عقول نخبة من الناس فتبنوا مبادئها وقيمها دفاعا عن الطبقات المقهورة والمظلومة ، في إطار فكر متقدم ، طليعي ينتصر للفكر الحداثي ، التنويري ، ودوره أن يكون شاهدا على مجتمعه ، وعلى واقعه ، وأن تكون يده باطشة ، لا تتنازل على النقد والفضح ، سواء كان المسؤول عن الفضيحة يساريا أو يمينيا فالأمر سيان ، أين نحن اليوم من هذا الفكر، الا يحق لنا أن نطرح السؤال ماذا تبقى من اليسار؟ ما الأسباب التي جعلته اليوم وكأنه يعيش أرذل العمر؟ ما موقعه في الخريطة السياسية العربية اليوم ووزنه فيها ؟ وإذا آثرنا أن نسوق مثلا آخر يسير في اتجاه نفس السؤالماذا تبقى؟وهذه المرة من الناحية الفكرية ، يمكن أن نطرح السؤال التالي : ماذا تبقى من الفكر الليبرالي في المجتمعات العربية ؟ وهل يجوز اليوم أن نتحدث عن ليبرالية عربية حقيقية بعدما رحل جيل الرواد ، ولم يستطع من يطلقون على أنفسهم اليوم الليبراليون الجدد ، التأسيس لمشروع فكري ليبرالي متجدد يكون استمرارا لما قام به رواد النهضة في هذا المجال ، من قبيل رفاعة الطهطاوي ، ومحمد عبده ، والأفغاني ، وبعد الاستقلال مع طه حسين وزكي نجيب محمود ، والعروي ..” يمكن أن تجد له تأثيرا في المجتمعات العربية أو أتباعا له فيها .لقد قام العديد من الليبراليين العرب بداية من تسعينيات القرن الماضي بتسويق لليبرالية بوصفها الإيديولوجية المهيمنة على المجتمعات العربية ، وأصبحت تسوق وكأنها الأنموذج الوحيد والأوحد فيها ، ومن أبرز هؤلاء المدافعون والمنساقون وراء هذا الطرح نجد أمثال أحمد البغدادي ، وشاكر النابلسي ، وسيار الجميل ، وكمال غبريال واللائحة طويلة . الا أن المفارقة الواضحة إلى حدود اللحظة أن هؤلاء بعد أزيد من ثلاثة عقود على انهيار الاتحاد السوفياتي ، وبدء بروز نجمهم في سماء الفضاء الثقافي والإعلامي ، لم ينتجوا أي بحث معرفي يفصحون فيه عن فكرهم ، بل اقتصرت إنتاجاتهم على تسطير مقالات صحفية خفيفة من حيث الشكل والمضمون وتفتقد كما يقول الدكتور المغربي المعروف الطيب بوعزة في إحدى مقالاته :”إلى أبسط ملامح الجدية والعمق في التحليل ، بل إن قراءتها تدفعنا أحيانا كثيرة إلى الاستفهام ، هل هؤلاء الكتاب يملكون الإحاطة المعرفية بموضوعهم ، وبالفلسفة التي يتبنونها ويعملون على تسويقها وإذاعتها في الناس ؟ ومادامت الأمور على هذه الشاكلة كما يصفها الدكتور الطيب بن بوعزة وغيره من المنتقدين لليبرالية والوضعية التي تحياها اليوم ، هل يجوز لنا الآن أن نتحدث عن تيار ليبرالي حقيقي في المجتمعات العربية يدافع عنها ويعمل جاهدا على ترسيخ ثقافتها وقيمها في هذه المجتمعات ، ما أظن أن الأمر بهذه الطريقة له وجود وحضور في هذه المجتمعات اليوم ؟ يبقى في الأخير أن نطرح سؤالا آخر ودائما في نفس السياق ، ماذا تبقى من الحركة الإسلامية في المجتمعات العربية والإسلامية ؟ لا أحد يمكن أن يجادل فيما أحدثه ظهور الحركات الإسلامية في المجتمعات العربية والإسلامية من تحول خطير فيها ، فمنذ أن ظهرت حركةالإخوان المسلمون في مصر بزعامة الشيخ حسن البنا سنة 1928 عقب أربعة أعوام من سقوط الخلافة العثمانية ، وامتدت إلى مختلف الدول العربية والإسلامية ، وتأسست جمعيات دينية تستلهم نسغها وروحها من المبادئ و المقومات التي تأسست عليها هذه الحركة ، وانتشرت انتشارا مريبا في كل أصقاع العالم العربي والإسلامي ، وأصبح لها أتباع وشيوخ ومريدون ، وأمست قوة اجتماعية تنافسية ، وبدأت تكشف عن نواياها الحقيقة ، بالانتقال من العمل على المستوى الدعوي والإصلاحي ، إلى العمل على المستوى السياسي ، وهنا نقطة تحول كبيرة ستعرفها هذه الحركة ، وبشكل خاص في مصر وتونس والمغرب ، وخاصة بعد أحداث ما أطلق عليه بالربيع العربي ، ورغم أن صناديق الاقتراع أعطت للأحزاب الإسلامية المتمخضة عن الحركة الإسلامية مراتب جد متقدمة ، وأوصلتها إلى السلطة ، الا أنه باستثناء التجربة المغربية في هذا السياق ، فإن باقي التجارب لم تنجح بالشكل الكافي ، ووقع ما وقع ، من ارتداد على الديموقراطية وما تلاها من أحداث أليمة ، وحتى في المغرب الذي استطاع تأمين انتقال سلطة سلس إلى ا لحزب الإسلامي الأول في المغرب ، لكن سرعان ما رمته الاستحقاقات اللاحقة إلى مراتب متأخرة ، لنخرج باستنتاج اليوم بعد كل هذا الذي حدث ، ماهي الصورة التي هي عليها اليوم هذه الأحزاب الإسلامية ، ماذا تبقى من شعبيتها ومن زخمها ؟ هل ارتكبت أخطاء فادحة بالمشاركة في تدبير الشأن العام المحلي ، أم أنها أدت ضريبة مرجعيتها الدينية واستثمارها المفرط في الشأن السياسي أم ماذا ؟ الأهم اليوم يحق لنا أن نطرح سؤال ، ماذا تبقى من هذه الحركات ، وماذا تبقى من فكرها وأدبياتها في المجتمعات العربية والإسلامية التي يبدو أنها ممتطية سفينة أخرى أبعد ما تكون عن سفينة هذه الحركات أو هاته الأحزاب ؟

لقد آثرت في هذه الورقة أن أقتصر على ثلاثة نماذج حية من الواقع السياسي والفكري والثقافي في المجتمعات العربية والإسلامية ، لأني أرى فيها تجسيدا واضحا لما تعرفه بعض التيارات وبعض الأحزاب أو بعض التوجهات الدينية أو الفكرية أو السياسية من حالة انحسار وانحباس خطيرة تجعلنا نطرح سؤال ماذا تبقى منها ، أما لو أردنا تسليط الضوء عليها كلها فأعتقد جازما أن كلها تستحق أن نطرح حولها سؤال ماذا تبقى ، فمثلا ماذا تبقى من الماركسية في هذه المجتمعات ؟ ماذا تبقى من الحركة الأمازيغية مثلا في المغرب ؟ ماذا تبقى من العلمانية ؟ وقس على ذلك .ليبقى السؤال العريض في النهاية هوهل تستطيع كل تلك النماذج التي سلطنا عليها الضوء أن تعيد ترتيب أوراقها والعودة بقوة إلى المشهد العام ، أم ستجدنا في المستقبل عوض طرح سؤال ماذا تبقى ، ننعيها إلى مثواها الأخير؟

Loading

Share
  • Link copied
تعليقات ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (Number of characters left) .