في بلاد لا تجد فيها المكتبات ما يكفي من الدعم لشراء الكتب لأحيال المستقبل وتوفير المقررات، ولا المسارح ما يكفي لترميم جدرانها المتهالكة والمتصدعة والمتشققة، ولا الجمعيات الثقافية ما يكفي لتنظيم ندوة محترمة تناقش الآفاق المستقبلية تنبت فجأة مهرجانات فاخرة كالفطر بعد المطر تنفق عليها أموال دافعي الضرائب وبسخاء وترفع فوق منصاتها شعارات الثقافة والفن والإبداع لكن في العمق لا علاقة لما يعرض فيها بأي شيء يمت إلى الثقافة بصلة اللهم استغلال الاسم.
في السنين الأخيرة اكتشف بعض منظمي المهرجانات الوصفة السحرية للنجاح وجمع الأموال ونفخ الحسابات البنكية عبر استدعاء أشهر صانعي الضجيج واجمع أكبر عدد من محترفي التفاهة في الوطن أضف إليهم قليلا من الأضواء والمؤثرات الصوتية والموسيقى الصاخبة ، ثم ضع على الملصق عبارة (مهرجان ثقافي) ستصبح في الحين الرداءة مشروعا ثقافيا يجلب القطيع بقدرة قادر.
لم يعد السؤال المطروح في الإقليم الذي يعاني على جميع المستويات ماذا تقدم هذه المهرجانات للمشهد الثقافي بالمنطقة…؟ بل علينا طرح السؤال بطريقة مختلفة ومستفزة كم بلغ عدد الحضور وما قيمتهم وما نوعيتهم وكذا المتابعين على المنصات الرقمي وكم حقق المقطع المصور من المشاهدات…؟ فالمعيار لم يعد القيمة الفنية ولا الرسالة الثقافية وإنما حجم الضجيج الذي يستطيع الضيف أن يخلقه حول اسمه ومنجزاته وصولاته أما المثقف والكاتب والشاعر والفنان الجاد والملتزم بقضايا المجتمع ، فمكانه محفوظ دائما خارج قائمة المدعوين لأنه يرفض أن يشارك في المهزلة.
والطريف في المر أن الجهات المنظمة لا تتوقف عن الحديث عن( التنشيط الثقافي) وكأن الثقافة في الزمن العجيف أصبحت مرادفا للرقص على إيقاع الشهرة الفارغة والتلذذ بالتصفيقات من الكومبارس السياسي الذي يحرك اللعبة عن بعد ويستنفر الاتباع لملا القاعة فلو عاد كبار المفكرين والفنانين إلى الحياة لاحتاجوا إلى دورات تكوينية لفهم هذا المفهوم الجديد للثقافة، حيث يتقدم صانع الجدل على صاحب الموهبة الحقيقية، ويتصدر صاحب المحتوى السطحي المشهد بينما يركن المبدع الحقيقي في زاوية النسيان لانه يرفض تسليع الثقافة والفكر.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس هدر الأموال العمومية وضرب مبدا تكافؤ الفرص في توزيع المال العام فحسب انه هدر المعنى نفسه لمفهوم الثقافة فحين يقدم التافه باعتباره نموذجا للنجاح وحين يكافأ الضجيج أكثر من المعرفة يصبح المجتمع أمام عملية تربوية معكوسة تعلم الأجيال أن الطريق إلى المنصة لا يمر عبر الاجتهاد والإبداع بل عبر إثارة الجدل وصناعة الفرجة.
لقد تحولت بعض المهرجانات إلى ما يشبه معارض موسمية لتسويق الرداءة وتعطيل النقد والاجتهاد، حيث توزع الألقاب الفنية بسخاء وتمنح صفة (النجم والفنان) لكل من استطاع جمع عدد كاف من الإعجابات الإلكترونية أما الثقافة الحقيقية فتقف خارج القاعة تنتظر من يتذكر وجودها.
والمفارقة الساخرة أن المنظمين يتحدثون عن (إشعاع المدين) والاهتام بالمكونات الثقافية والتراثية بينما الإشعاع الوحيد الذي يلمسه الحضور لن يعدو عن كونه وميض الكاميرات وعدسات الهواتف والتصفيق والتقاط الصور أما الأثر الثقافي والفكري فينتهي غالبا مع آخر أغنية وآخر صورة تذكارية وآخر تصريح للاستهلاك الإعلامي.
إن الثقافة الحقيقية والفاعلة والمؤثرة في الوعي الجماعي ليست زينة تعلق على واجهة مهرجان موسمي وليست لافتة براقة تستخدم لتبرير الإنفاق وتلميع الصور وتمرير خطابات سياسية يعتورها الشك والقصور فالثقافة مشروع وعي وفكر ومعرفة ومتى تحولت إلى مجرد غطاء لتسويق التفاهة، فإننا لا نكون أمام مهرجان ثقافي بل أمام احتفال رسمي بانتصار الرداءة.
وحين يصبح التافه بطلا، والسطحي مرجعا في المثاقفة، والضجيج قيمة فنية بناء على الاختيارات الذكية لتوسيق المنتوج فلا ينبغي أن نتساءل مستقبلا عن سبب تراجع الذوق العام وسقوط الفكر في الضحالة والإسفاف. لان الجواب معروض أمامنا على المنصة تحت الأضواء الكاشفة ومكتوبا بخط عريض ( أهلا بكم في مهرجان التفاهة… برعاية الثقافة) .
![]()

تعليقات ( 0 )