في زمن اختلطت فيه المعايير وانهزمت القيم الإنسانية وتراجعت الكرامة، لم يعد النجاح حكرا على أصحاب الكفاءة والاجتهاد والشواهد، هناك فئة أخرى لها نصيب وافر من الحظوة والامتيازات التي تحتاج إلى الشهادات العلمية ولا تراكمات معرفية فئة أتقنت فن التملق حتى تحول عندها إلى عقيدة راسخة ومارست الانبطاح حتى صار سلوكا يوميا لا يثير لديها أي شعور بالخجل أو الحرج.
لقد بات المشهد مألوفا في اقليم الخميسات إلى درجة تدعو إلى السخرية والألم المر فبمجرد أن يعتلي مسؤول منصبا سلطويا أو سياسيا أو يقترب شخص من دائرة النفوذ تنطلق جوقة المديح بلا حدود ولا ضوابط وتختفي العيوب فجأة وتتوارى الأخطاء خلف ستار من الأوصاف الرنانة و التلميع الفج الذي يرتفع إلى السخرية المرة ويصبح كل قرار ارتجالي (حكيما) وكل خطوة متأرجحة ومتذبذبة (تاريخية) وكل كلمة نشاز (ملهمة)، حتى لو كانت الوقائع تقول عكس ما يتم الترويج له واعتباره فتحا عظيما في مجالات التنمية.
المصيبة أن التملق لم يعد مجرد سلوك فردي معزول لقد تحول في المنطقة إلى ثقافة قائمة بذاتها لها كوادر وأساتذة يجرون وراءهم خبرات وتجربة مهمة وتخرجت على ايديهم أفواج، فلا عجب أن يكافئ جمهرة المصفقين ويعاقب أصحاب الرأي المستقل فالناقد الصادق والمبدئي يتهم بالمشاكسة وحب التفرد وصاحب الموقف النبيل والشجاع ينظر إليه باعتباره مصدر إزعاج ويفتح الباب على مصراعيه لمن يجيد الانحناء والتطبيل والرقص في الاتجاه الصحيح.
إن الانبطاح مهما تجمل بأسماء براقة ولماعة يظل وجها آخر للتخلي عن الكرامة الفكرية والأخلاقية والإنسانية فالمجتمعات الحديثة لا تتقدم بكثرة المادحين والنكافات والمبرنقين والملمعين ولا تنهض بجيش من المنتفعين الذين يبيعون مواقفهم عند أول فرصة لتغيير المسؤول وتقديم فروض الطاعة للقادم الجديد ويستمر المسلسل على نفس الوتيرة.
التقدم الحقيقي يصنعه أولئك الذين يملكون شجاعة قول الحقيقة في وجه الجميع حتى عندما تكون الكلمة الصادقة مكلفة والذين يضعون المصلحة العامة فوق الحسابات الشخصية الضيقة.
والاخطر في العملية الوقحة أن بعض المتملقين يعتقدون أن ما يحققونه من مكاسب آنية انتصار شخصي وقد يعتقد المنبطح في وعيه المخروم انه اصبح ذو مكانة، بينما الحقيقة أن التاريخ لا يحتفظ إلا بأصحاب المواقف المبدئية. أما المصفقون على الدوام والمهرولون إلى موائد الأسياد و اولياء النعم، فأسماءهم تتلاشى سريعا بمجرد انطفاء الأضواء ورحيل أصحاب النفوذ الذين التفوا حولهم.
اقليم الخميسات لا يحتاج الى كثرة المداحين انه بحاجة الى مزيد من الصراحة والمسؤولية فالأمم التي تحترم نفسها تبني مكانة الإنسان على كفاءته ونزاهته لا على قدرته على التزلف والتملق والتطبيل ولا على مهارته في الانبطاح ولي المؤخرات وما بين الكرامة والتملق يبقى الخيار اختبارا حقيقيا لقيمة الإنسان ومعدنه.
![]()

تعليقات ( 0 )