الايام الاخيرة لحسن بولهويشات

قرّرتُ أن أبدأ في كتابة يوميات بعنوان الأيام الأخيرة“. وأعقد ميثاقًا مع القارئ وألتزم معه، قدر الإمكان، بالكتابة كل يوم وأقوم بتنزيل ما كتبته على صفحتي في الفيس بوك. أكتب سرديات كما اتفق بدون موضوع محدّد سلفًا. وليست المواضيع ما ينقص الكتّاب والأدباء، وإنما كيفية صياغتها. سأتجنّب التكلف في لغتي، وهذا ما أفعله دائمًا. وأترك الكلمات تتواتر على طبيعتها. والعبارة تتمدّد بعفوية وبلا فواصل كثيرة. أريد من هذه اليوميات أن تسقط كما اتفق دون أن أفكر في العودة إليها أو تنقيحها. سأكتب كما لو أنّني أتحدث مع نفسي أمام المرآة. فيما مضى، كنتُ أكتب صفحتين أو ثلاث في الورود ثم أمسحها فأنام. أريد هذه المرّة أن أتقاسم مع القرّاء ما أكتبه.

أنا برئ جدّا، والزمن وحده يتحكّم في هذه اليوميات، على اعتبار أنّني لا أدري ماذا تخبئ لنا الأيام القادمة. وقد سبق لي أن كتبت يوميات في نهاية التسعينيات ونشرت منها حلقات كثيرة في إحدى الجرائد الوطنية دون أن أفكر في جمعها في كتاب حتى أني نسيتها في زحمة الزمن. بدأت في كتابة رواية جميلة قبل عامين أيضًا؛. غير أنني سرعان ما توقفت ثم مسحتها، لأنني أعرف أن نقطة ضعفي هي أن أتوقف. ما يعني أني لن أعود أبدًا إلى اتمام ما بدأته. لا أدري هل هناك من الكتّاب من يعيش مثل هذه الحالة الوجدانية؛ إن صحّ التعبير.

لماذا (الأيام الأخيرة)؟ لأنني قرّرت أن أتوقف نهائيًا عن ممارسة هذه الحرفة البدائية التي يسموّنها الكتابة. وليس لديّ ما أقوله للنّاس. لست مسؤولًا ولا أنا الذي سرق أموال الشعب وجوّع المواطنين وفتك بالمرضى في المستشفى من فرط التماطل. لستُ هذا ولا ذاك كي أخرج إلى النّاس في كلّ مرّة فأطمئنهم. لستُ رجل سياسية فأكذب ولا رجل دين فأحمل النّاس كي يتعظوا. أنا مواطن بسيط أشتغل أستاذا منذ أكثر من ربع قرن. وهي المدة التي قضاها إدريس البصري في وزارة الداخلية يستنطق المواطنين ويزج بهم في السجن. هل يحاسبني الله بالمعطيات والمعايير نفسها التي سيحاسب بها البصري. كلّا، أبدًا . !لم أسرق الدولة ولم أشهد الزور ولم أنكح امرأة متزوجة أو شيء من هذا القبيل. عنواني قار ومعروف وأسكن في بيتٍ مستقل في الطابق الأرضي وليس فوقه سوى الصحن الهوائي وحبل غسيل تبزق عليه الطيور حين تريد. ما يرجح أن مصيري هو الجنة. فقط عليّ أن أتوقف عن هذه الحرفة البذيئة، وعن تضييع الوقت في كتابة أشعار وقصص لا أحد يفكر في قراءتها. الناس تعاني من الاضطهاد النفسي والمعنوي وغلاء المعيشة والفواتير وأشياء أخرى، وليس لها متّسع من الوقت للقراءة. الحرية أولا والخبز ثانيا والأدب ثالثا.

الأساسي، هو أنه لا يوجد مسوّغ مقنع كي أمتهن الكتابة طوال حياتي، خاصة مع هذه المتغيرات الجديدة وتسليع القيّم والأدب والفنون. كما أني مواطن بدون بيانات مهمة، أستهلك الكثير من الخبز والمرق. أشرب القهوة وأتسلّى بقراءة الروايات. أنام في النهار وأستيقظ بالليل. وكلّ كنوزي خزانة كتب مبعثرة وتاريخ طويل في الحيرة والتردد؛ هل أذهب من هنا أم من هناك؟ وهل أختار الأبيض أم الأسود؟ لذلك أريد أن تتوقف تجربة الكتابة بهذه اليوميات. والتي لاشكّ أنها ستحفل بالكثير من سيرتي الذاتية وأعود في الزمن إلى الوراء فأستعيد وجوه كثيرة وأماكن شتّى وحكايات ما زلت أحتفظ بطراوتها في ذاكرتي.

أراهن على الصدق في ما سأكتبه. وعلى المواظبة في الكتابة كل يومٍ، وعدم التوقف كما شرحتُ لكم في السطور أعلاه. أراهن على نفسي وعلى مزاجي الجديد، خصوصًا وأنني قرّرت أن أرابط في البيت هذه المدّة وهذه الشهور. أن أعيش تجربة الحجر الصحي للمرّة الثانية في المغرب فأحمي نفسي من ضجيج الشوارع وثرثرة المقاهي والتزامات تافهة. أريد أن أنتبه لنفسي وأتفرّغ لها قليلا من خلال هذه الأيام الأخيرة“.

Loading

Share
  • Link copied
تعليقات ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (Number of characters left) .