مهرجان الثقافة بالخميسات.. حين تتحول الثقافة إلى ديكور انتخابي

سقط مهرجان الثقافة بالخميسات في اختبار الإشعاع الثقافي الحقيقي واظهر  ان الأزمة ليست في الإمكانيات المادية والبشرية بقدر ما هي في الرؤية والاختيارات العقلانية، فالمهرجان من المفترض أن يكون فضاء للاحتفاء بالإبداع والمبدعين بدا أقرب إلى منصة لتوزيع المجاملات وتكريس منطق الولاءات على حساب الكفاءة والاستحقاق.

انتظر المتتبعون برنامجا ثقافيا شاملا قادرا على تحريك المياه الراكدة في المشهد الثقافي وفتح نقاشات عميقة حول قضايا الثقافة والتنمية والهوية غير أن الحصيلة الاولية جاءت مخيبة للآمال( من الخيمة خرج مائلا). فباستثناء بعض الفقرات المحدودة غابت المبادرات النوعية القادرة على ترك أثر ثقافي مستدام وحضر بدلها منطق الاستعراض والبهرجة الموسمية واعادة تدوير مشاهد الرقص والبندير والتصفيق الاستعراضي.

الأكثر إثارة للجدل يتمثل في مسلسل التكريمات الذي تحول في نظر العديد من الفاعلين إلى مناسبة لمكافأة أسماء بعينها دون تقديم معايير واضحة للاختيار وبينما كان منتظرا رد الاعتبار لمبدعين ومثقفين ساهموا لعقود في خدمة الثقافة المحلية وجد كثيرون أنفسهم خارج دائرة الاهتمام في مقابل حضور أسماء تحظى بالقرب من الجهات المنظمة أو تلتزم الصمت تجاه اختلالات المشهد الثقافي.

فالثقافة في جوهرها فعلا نقديا وحرا لكن ما جرى ويجري يعكس توجها نحو تدجين الفعل الثقافي وتحويله إلى أداة للتزكية الرمزية والبحث عن الدعم المالي إذ يتم الاحتفاء بالأصوات المهادنة أكثر من الاحتفاء بأصحاب المبادرات الفكرية والإبداعية الجادة.

ولا يمكن تجاهل الانطباع الذي خرج به عدد من المتابعين عن قرب او عن بعد وهو أن المهرجان انزلق من رسالته الثقافية إلى أجواء تقترب من الحملة الانتخابية غير المعلنة حيث طغت الحسابات المرتبطة بالصورة والتسويق السياسي على الأهداف الثقافية المفترض أن تشكل جوهر التظاهرة وعندما تصبح الثقافة مجرد خلفية لتلميع الواجهات والاسماء التي تحرك خيوط اللعبة فإن الخاسر الأول هو المثقف والخاسر الأكبر هو المواطن الذي يبحث عن مشروع ثقافي حقيقي يخدم المدينة وساكنتها.

إن الخميسات لا تحتاج إلى مهرجانات موسمية تستهلك فيها الشعارات بل إلى سياسة ثقافية جادة تؤمن بالمبدعين وتمنحهم فضاءات التعبير والإنتاج بعيدا عن منطق الاصطفاف والانتقائية لان الثقافة ليست وسيلة للدعاية المجانية والمغرضة ولا مناسبة لتوزيع الأوسمة الرمزية على المستقدمين من (بلاد بعيدة) على حد قول عمنا المتنبي بل رافعة للتنمية والوعي والنقد والبناء.

ومن حقنا ان نتسائل متى يتحول مهرجان الثقافة بالخميسات إلى موعد للاحتفاء الحقيقي بالإبداع ولا نريده صراحة ان يظل مناسبة تثير الجدل أكثر مما تنتج الثقافة باعتبارها أداة لبناء الوعي وتطوير الحس النقدي وصناعة القيم الجمالية والفكرية، فالمثقف في الوعي الجماعي يمثل صوت الضمير الحي الذي يقف إلى جانب الحقيقة والعدالة ويقاوم الاستبداد والفساد والتهميش هذا الدور القيمي تعرض لتشويه كبير عندما اختار بعض المنتسبين إلى الحقل الثقافي الارتماء في أحضان السلطة والمال وتحويل الثقافة إلى جسر للعبور نحو المصالح الخاصة وهكذا أصبحت بعض المهرجانات والملتقيات والأنشطة الثقافية مجرد واجهات لتلميع صور شخصيات متهمة بإفساد الحياة العامة بينما يمنح المثقف المهادن مكانة خاصة مقابل صمته أو مشاركته في عملية التجميل الرمزي ويصبح معيار النجاح الثقافي مرتبطا بحجم القرب من مراكز القرار لا بقيمة الإنتاج الفكري أو الأدبي.

فالمهرجان البهرجة امعن في سحل وبقر الوظيفة النقدية للثقافة وتحول إلى سوق للمجاملات بإقصاء الأصوات الحرة والمستقلة لصالح وجوه اعتادت ترديد الخطاب الرسمي وتبرير الاختلالات القائمة كما اظهر المهرجان فقدان الثقافة لاستقلاليتها وعجز عن أداء رسالتها الحضارية لان المثقف من هذه الزاوية المضببة خضع لمنطق المنفعة الضيقة وتاه عن معركة الثقافة الحقيقية معركة الوعي والكرامة الإنسانية لان الكلمة الصادقة تظل أقوى من كل أشكال التزييف والتسويق، إجمالا الثقافة الحقيقية ليست حربا من أجل الامتيازات أو الأضواء او تمرير خطاب سياسي لجهة معينة تتحكم في الدعم المادي بل مواقف نبيلة تساهم في التنوير والمثاقفة وتشجيع الابداع،

Loading

Share
  • Link copied
تعليقات ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (Number of characters left) .