مرة أخرى رفعت المنصات، ونصبت مكبرات الصوت، وعلقت اللافتات الملونة، وصرفت الأموال بسخاء تحت عناوين “تنشيط المدينة” و“الإشعاع الثقافي“. ومرة أخرى يجد سكان الخميسات أنفسهم أمام المشاهد الهلامية نفسها ، مهرجان صاخب يملأ الفضاء ضجيجا، عاجز عن الإجابة عن سؤال بسيط ومشروع، ماذا استفادت المدينة فعلا…؟
الخميسات تعاني من البطالة والتهميش وخصاص المرافق العمومية لا تحتاج إلى المزيد من دخان الإعلام المنبطح المزيف للحقائق و الغارق في الاستعطاء وضربات الطارة، انما إلى أجوبة واضحة حول أولويات الإنفاق العمومي ومن المستفيد حقا. فبينما تتآكل الأرصفة، وتتراجع الخدمات الصحية والتعليمية، ويهاجر الشباب بحثا عن فرص العيش الكريم، يطلب من المواطنين التصفيق لمهرجان ينتهي أثره بانطفاء آخر مصباح فوق المنصة.
المشكلة ليست في الفن ولا في الثقافة انما في تحويلهما إلى واجهة لتلميع الفشل وتسويق الوهم وتمرير خطابات سياسية يعتورها الشك والقصور. فالمهرجانات التي لا تترك أثرا اقتصاديا حقيقيا ولا تنتج قيمة مضافة للمدينة تتحول إلى مجرد مواسم للفرجة العابرة، يربح منها الجميع إلا المدينة نفسها.
من المستفيد الحقيقي من هذه التظاهرات المطاطية…؟ سؤال يزعج الكثيرين خصوصا هؤلاء الذين يعرفون من أين يحلب التيس، والسؤال يظل مشروعا. من يفوز بصفقات التنظيم والتجهيز والصوت والإضاءة…؟ ومن يراقب مسار الأموال التي تصرف باسم الثقافة المفترى عليها…؟ ولماذا تغيب الأرقام الدقيقة والتقارير التفصيلية التي تمكن الرأي العام من معرفة الكلفة الحقيقية والعائد الحقيقي…؟
الغريب أن المسؤولين على المهرجانات يتحدثون دائما عن النجاح الجماهيري، وكأن عدد الحاضرين والمغيبين في السهرات أصبح مؤشرا للتنمية. فمتى كانت مكبرات الصوت والضجيج والصخب بديلا عن المشاريع الاقتصادية…؟ ومتى أصبحت الحفلات الموسمية حلا لمعضلة البطالة والصحة والتعليم والامن والفقر وانحباس الاستثمار؟
أخطر ما في هذه المهرجانات الكربونية أنها تخلق وهما وتخديرا جماعيا مؤقتا. بضعة أيام من الصخب تكفي لإخفاء سنوات من التعثر، وكأن المدينة مطالبة بأن تنسى مشاكلها الحقيقية مقابل جرعة مجانية من الترفيه الملتبس باسم الثقافة. فالواقع أكثر عنادا من الشعارات، فبعد انتهاء الاحتفالات تعود الخميسات إلى أسئلتها المؤجلة، أين التنمية، أين فرص الشغل، أين الصحة واين المشاريع المنتجة للثروة..؟
الثقافة الحقيقية ليست منصة عملاقة ولا حفلا صاخبا ولا رقصا على الجراح ولا تهريجا مبسترا خطط ودبر في الدكاكين السياسية على بعد مسافة من الانتخابات، ان الثقافة الملتزمة والمتقدمة مشروع ينهض بالإنسان ويصنع الوعي ويدعم الاقتصاد المحلي. أما حين تتحول المهرجانات إلى غاية في حد ذاتها، فإنها تصبح مجرد آلة لإنتاج الضجيج واستهلاك المال العام.
ويبقى السؤال الذي يهرب منه الكثيرون، من استفاد حقيقة من المال العام فوزارة الثقافة والمدينة جهات ممولة، فمن صاحب الربح والحصة الاكبر من الكعكة الدسمة…؟ وإذا كانت الجماهير الحاضرة في الساحات تستمتع بالضجيج الذي اصبح عاديا، فمن الغائب عن كشوفات المحاسبة…؟ وبين الضجيج والاحتفال، تضيع الحقيقة الوحيدة التي يستحقها المواطن، الشفافية تقتضي ان يخرج زعيم الضجيج بتصريحات دقيقة عن مصير 22 مليون سنتيم وكذا مساهمات الجهات الاخرى وطريقة صرف المبالغ المالية.
![]()

تعليقات ( 0 )