في كل محطة انتخابية يتجدد الخطاب ذاته من نفس الوجوه ونفس الاحزاب السياسية، وتعود الوعود المستهلكة الى واجهة الاحداث، وترفع الشعارات ذاتها عن التغيير والإصلاح وربط المسؤولية بالمحاسبة وهلم عبارات منمقة تكرر في التجمعات وفي المهرجانات الخطابية. وفي ظل الجعجعات والخطابات الباهتة ما قيمة المشاركة في الانتخابات إذا كانت النتيجة النهائية لا تتجاوز إعادة تدوير الوجوه نفسها وإنتاج النخب ذاتها التي استهلكتها التجارب وفقد المواطن ثقته فيها ؟؟؟
إن الديمقراطية ليست حملات الاستبلاد والاستحمار وشراء الذمم و صناديق اقتراع وأوراق تصويت والتهديدات المرافقة بمعاقبة اي شخص يفسد العرس الديمقراطي الفاسد من الاساس، ان الديمقراطية في الفهم العام منظومة متكاملة تقوم على التنافس النزيه والشريف، وتكافؤ الفرص، والمحاسبة الفعلية للمسؤولين. أما حين تتحول الانتخابات إلى طقس موسمي لتجديد الشرعية الشكلية وتنصيب نفس الوجوه المساهمة في الازمات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والعمرانية …، فإن الديمقراطية من هذه الصورة تفقد جوهرها وتتحول إلى وسيلة لتلميع صورة ديمقراطية مفقودة أكثر من كونها أداة للتغيير الحقيقي.
المواطن الذي يراقب المشهد السياسي اليوم لا يرى وجوها جديدة تحمل مشاريع مجتمعية مختلفة ولديها الرغبة القوية في التعامل المسؤول مع مطالب القوة الناخبة، بل يشاهد في كثير من الأحيان انتقال الأشخاص أنفسهم بين الأحزاب والمواقع والمجالس في اطار سياسة الانتشار البخسة التي تكرس الامر الواقع، وكأن السياسة أصبحت مهنة مغلقة لا تسمح إلا بإعادة إنتاج النخب ذاتها. حقيقة ان الالوان والشعارات تتغير تتغير لكن العقليات والممارسات تبقى على حالها، فتضيع الحدود بين المعارضة والموالاة، ويصبح الصراع حول المواقع لا حول البرامج.
أن غياب المحاسبة يجعل الفشل بلا تكلفة سياسية فكم من مسؤول أخفق في تدبير الشأن العام ثم عاد من نافذة أخرى ليشغل منصبا جديدا؟ وكم من منتخب قطع وعودا كبيرة ثم اختفى بعد الفوز دون أن يسأل أو يحاسب سياسيا واخلاقيا من القوة الناخبة وهنا يصبح العزوف الانتخابي رسالة احتجاج صامتة أكثر منه مجرد لامبالاة سياسية لان غياب المحاسبة تساهم في خلق النفور من العملية الانتخابية.
لا يمكن إقناع المواطنين بأهمية المشاركة عبر حملات دعائية موسمية أو خطابات عاطفية تتحدث عن الواجب الوطني والرهانات على التنمية والتقدم والازدهار وغيرها من الكلام القوي الذي لم يعد يستهوي المواطن ولا يساهم حتى في فتح النقاشات لان النتائج معروفة سلفا لغياب الثقة التي تعد مربط الفرس. الثقة تبنى بالفعل لا بالكلام، وتستعاد حين يشعر الناخب أن صوته قادر على إحداث فرق حقيقي في الحياة اليومية، وأن المنتخب الذي يفشل أو يسيء التدبير لن يجد طريقه بسهولة إلى موقع مسؤولية جديد.
إن قيمة الانتخابات لا تقاس بنسبة المشاركة المعلنة انما بقدرتها على تجديد النخب التي تحمل برامج واقعية قابلة للتنفيذ عبر فتح المجال أمام الكفاءات ومحاسبة الفاشلين ومنعهم من الترشح كعقاب لهم على خدلان الجماهير كشكل من اشكال ربط السلطة بالمسؤولية. أما إذا استمرت مجرد آلية لإعادة تدوير الوجوه نفسها وتجميل واقع سياسي مأزوم انتج المزيد من القلاقل الاجتماعية والانتظارية، فإن السؤال القوي الذي يتبادر إلى الذهن وسيظل مطروحا وبدون اجابة طبعا :هل ننتخب من أجل التغيير الذي يقوي ارتباطنا بالمؤسسات المنتخبة أم من أجل منح الشرعية لواقع لا يتغير…؟
![]()

تعليقات ( 0 )