حين تصبح الثقافة خادمة للفساد

في زمن اختلطت فيه القيم بالمصالح لم يعد الخطر الحقيقي على الثقافة يأتي من الجهل وحده، بل من أشباه المثقفين النفعيين الذين يتحدثون باسمها ويفرغونها بوعي من مضمونها التوعوي والتنويري، فالثقافة عبر التاريخ وجدت لتكون سلطة أخلاقية ورمزية في مواجهة الفساد والاستبداد لكنها في الزمن العجيف تحولت لدى البعض إلى وسيلة للتكسب والارتقاء الاجتماعي والتقرب من أصحاب النفوذ ولا غرابة أن أصبحت بعض الجمعيات الثقافية أشبه بقاعات للعلاقات العامة منها فضاءات للفكر والإبداع.

المؤسف أن بعض من يقدمون أنفسهم كمثقفين لم يعودوا منشغلين بقضايا المجتمع والعدالة والحرية بقدر انشغالهم بحجز مقعد قرب المسؤول أو التقاط صورة مع صاحب القرار أو الحصول على دعم ومكافآت وامتيازات وهكذا تحولت الثقافة من فعل نقدي يزعج الفساد إلى زينة تجميلية تخفي قبحه.

لقد نشأت فئة من المثقفين المناسباتيينالذين لا يظهرون إلا حيث توجد الكاميرات والولائم والمكاسب والهدايا والضجيج، الأخطر في الصورة المخدوشة انهم يرفعون شعارات التنوير في العلن ويتخلون عنها عند أول اختبار للمصلحة ، يصمتون عن الفساد حين يكون مصدر امتيازاتهم ومصدر الارتواء، ويتحدثون عن الأخلاق فقط عندما لا تمس مصالحهم الشخصية.

والنتيجة القبيحة اتساع رقعة التفاهة والتافهين فحين يغيب المثقف الحقيقي أو يصطف في الطابور  لحجز مقعد في مناسبة ما تسمى مجازا لقاء ثقافيا للمجاملة ورفع الحرج، يحضر المروجون للوهم وحين تقصى الكفاءات المستقلة القادرة على تقديم الفارق في المشهد الثقافي، تتصدر المشهد شخصيات صنعت شهرتها بالولاءات والعلاقات لا بالإنتاج الفكري أو الإبداعي لأنهم أصيبوا بالعقم والجدب والتصحر الفكري فيصبح التصفيق بديلا عن النقد، والمجاملة بديلا عن الموقف النبيل والمبدئي، والظهور الإعلامي بديلا عن القيمة الثقافية.

إن أخطر أشكال الفساد ليس ذلك الذي ينهب المال العام فقط بل الذي يفسد الوعي ويزور الحقائق ويجعل الانتهازية فضيلة والانبطاح حكمة والصمت عن الاختلالات نوعا من الواقعية وعندما تتحول الثقافة إلى أداة في يد الفساد فإنها لا تكتفي بخيانة رسالتها وتساهم في إعادة إنتاج الأزمة وإطالة عمرها.

إن المجتمع الذي تتحكم في فضائه الثقافي شبكات المصالح والمحسوبية يفقد تدريجيا قدرته على التمييز بين المثقف والانتهازي وبين المبدع الحقيقي وصانع الضجيج وبين الفكر الحر والدعاية المقنعة وعندها تصبح الرداءة قاعدة والتفاهة نموذجا للنجاح والترقي الاجتماعي من هنا يبدا التشوه والانحدار، ويدفع أصحاب المواقف الحرة إلى الهامش لأنهم يرفضون المشاركة في حفلات التزكية الجماعية وبرنقة رموز الفساد السياسي والاداري.

الثقافة ليست بطاقة عبور نحو مكاتب المسؤولين وتلقي الطبطبات والهدايا، وليست سلعة جاهزة تباع لمن يدفع أكثر وليست وسيلة لتلميع صور الفاسدين أو منحهم شهادات حسن السيرة الرمزية فالثقافة موقف مبدئي، والكاتب الذي يتخلى عن استقلاله من أجل منفعة عابرة لا يخسر مصداقيته فقط بل يساهم في إضعاف الدور التاريخي للكلمة الحرة التي تساهم في نشر الوعي والمثاقفة.

إن الدفاع عن الثقافة اليوم ليس دفاعا عن الأنشطة والمهرجانات والشعارات البراقة التي تطول عمر الفساد وتساهم في تجذيره، بل دفاع عن استقلالية الكلمة وكرامة المثقف وحق المجتمع في خطاب نقدي حر يلامس القضايا الأنية والمستقبلية للمجتمع. فحين تنحاز الثقافة إلى الفساد تفقد روحها ورسالتها السامية، وحين تساوم على الحقيقة تفقد مشروعيتها ودورها وقيمتها، وحين تصبح التفاهة نجمة المشهد الثقافي فإن ذلك إعلان صريح عن أزمة قيم قبل أن يكون أزمة إبداع.

Loading

Share
  • Link copied
تعليقات ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (Number of characters left) .