أصبحت التنمية الترابية المستدامة والشمولية إحدى الركائز الأساسية والمثمرة في السياسات العمومية الحديثة باعتبارها مدخلا لتحقيق العدالة المجالية وتقليص الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بين مختلف الأقاليم في المغرب وهذا التحول لا يمكن تحقيقه بدون وجود ولاة وعمال يحملون افكرا ويطبقون فعليات توجهات اعلى سلطة في البلاد.
وفي هذا المنحى يبرز إقليم الخميسات باعتباره مجالا ترابيا غنيا بالإمكانات الطبيعية والبشرية والثقافية لكن حجم المؤهلات والثروات لم ينعكس بالقدر الكافي على مؤشرات التنمية المحلية والتفكير في بناء مستقبل واعد للإقليم يقتضي اعتماد مقاربة تنموية مندمجة ترتكز على تثمين الموارد المحلية وتنميتها وتعزيز الرأسمال البشري باعتباره قوة الدفع الحقيقية نحو المستقبل المنشود وتحقيق الالتقائية بين مختلف الفاعلين والمؤسسات العمومية والدستورية.
تشير الأدبيات التنموية المعاصرة أن الاستثمار في الإنسان يمثل الشرط الأساسي لأي تحول اقتصادي واجتماعي ناجح ومندمج وفي حالة إقليم الخميسات تظل الحاجة ملحة إلى تطوير المنظومة التعليمية والتكوينية بما يستجيب للتحولات المتسارعة لسوق الشغل ويتطلب الأمر تحسين جودة التعليم والحد من الهدر المدرسي خاصة في الجماعات الترابية التي يعاني سكانها من الهشاشة والإقصاء الاجتماعي وتعزيز التكوين المهني في المجالات المرتبطة بالفلاحة العصرية والصناعات الغذائية والاقتصاد الرقمي، والخدمات السياحية.
كما أن تمكين الشباب من المهارات الحديثة ودعم روح المبادرة والمقاولة من شأنه أن يساهم في خلق نخب محلية قادرة على قيادة مشاريع التنمية والانخراط الفعلي في الدينامية الاقتصادية للإقليم.
يمتلك إقليم الخميسات قاعدة اقتصادية مهمة ترتكز أساسا على النشاط الفلاحي والرعوي والغابوي غير أن تحقيق القيمة المضافة في هذه المجالات يظل رهينا بالانتقال من منطق الإنتاج الأولي إلى منطق التثمين والتصنيع والتحويل فإحداث وحدات لتثمين المنتجات الفلاحية( معلم الخروب) وتشجيع الاقتصاد التضامني والتعاونيات وتحسين سلاسل التسويق والتوزيع بالطرق العصرية كلها إجراءات من شأنها تعزيز تنافسية الاقتصاد المحلي.
وفي ظل التحديات المناخية الراهنة يصبح من الضروري تبني نموذج فلاحي مستدام يعتمد على الاقتصاد في استهلاك المياه الابار والانهار باستعمال التقنيات الحديثة وتنويع الأنشطة الإنتاجية بما يضمن الأمن الاقتصادي للساكنة القروية.
لا يمكن لأي مشروع تنموي أن يحقق الأهداف المتوخاة دون وجود حكامة ترابية فعالة اي سلطات اقليمية متمكنة وقادرة على ترجمة توجهات صاحب الجلالة لان الحكامة المطلوبة تقوم على مبادئ الشفافية والمساءلة والتدبير التشاركي المبني على الدراسات المتقدمة فالتنمية ليست مجرد مشاريع وبنيات تحتية وتوفير أموال الاستثمارات بل قدرة المؤسسات على التخطيط الاستراتيجي والتنسيق بين مختلف المتدخلين.
هنا تبرز أهمية تعزيز أدوار الجماعات الترابية التي تفهم في معنى المسؤولية التعاقدية والتشاركية بتمكين المجتمع المدني المسؤول والنشيط من المشاركة في صياغة وتتبع السياسات المحلية مع الحرص على توجيه الاستثمارات نحو القطاعات ذات الأولوية التنموية الكفيلة بتوفير مناصب شغل بما يضمن الاستغلال الأمثل للموارد المتاحة.
يتميز إقليم الخميسات بتراث ثقافي غني وتنوع طبيعي يؤهله ليكون وجهة للسياحة القروية والثقافية والإيكولوجية. ويشكل الموروث الأمازيغي، والصناعات التقليدية والفضاءات الغابوية والطبيعية عناصر جذب يمكن استثمارها في خلق دينامية اقتصادية جديدة ونوعية.
غير أن تحقيق هذا الهدف يقتضي وضع استراتيجية متكاملة تشمل تأهيل البنيات التحتية السياحية والطرقية وتطوير وسائل التواصل والتسويق الترابي وتشجيع الاستثمار في المشاريع السياحية الصغرى والمتوسطة مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية والبيئية للمجال.
أصبحت الرقمنة عنصرا حاسما في تعزيز تنافسية المجالات الترابية فإن إدماج التكنولوجيا الحديثة في تدبير الخدمات العمومية ودعم المقاولات الناشئة وتوسيع الولوج إلى الإنترنت عالي الصبيب يمثل رهانا استراتيجيا لمستقبل الإقليم ، كما أن تشجيع الابتكار واستخدام الحلول الرقمية في الفلاحة والتعليم والصحة يمكن أن يسهم في تجاوز العديد من الإكراهات المرتبطة بالموقع الجغرافي أو محدودية الموارد.
إن بناء مستقبل واعد بإقليم الخميسات ليس خيارا ظرفيا ولا حلما صعب التحقق بل مشروع مجتمعي متكامل يتطلب تعبئة جماعية لمختلف الفاعلين المؤسساتيين والاقتصاديين والمدنيين، فالإقليم يتوفر على مؤهلات حقيقية تؤهله للانتقال من منطق استثمار الإمكانات الكامنة إلى منطق خلق الثروة وتحقيق التنمية المستدامة ويبقى نجاح التحول رهينا بقدرة الفاعلين على بلورة رؤية استراتيجية مشتركة تجعل من الإنسان محور التنمية ومن الحكامة الجيدة آلية للتنفيذ ومن العدالة المجالية هدفا أساسيا لبناء مستقبل أكثر ازدهارا وإنصافا.
![]()

تعليقات ( 0 )