كيف يجعل الجهلة من التافهين أبطالا…؟

في كل عصر تظهر شخصيات لا تمتلك علما ولا فكرا ولا مشروعا حقيقيا يخدم المجتمع ويساهم في التنوير وإثارة قضايا تؤدي إلى ارتفاع نسبة الوعي الجماعي وتجدها تتصدر المشهد وتحظى بالشهرة والمتابعة والسؤال الذي يطرح وبحدة كيف يتحول التافهون إلى أبطال في نظر قاعدة عريضة من الناس؟

الجواب يبدأ في رأينا المتواضع في تفشي الجهل فالإنسان الذي يفتقر إلى المعرفة والنقد والتحليل ومناقشة الأفكار غالبا ما يبحث عن نماذج سهلة الفهم وسريعة الاستهلاك فبدل أن يتابع العلماء والمفكرين والمبدعين الذين يحتاج فهم أفكارهم إلى جهد ووعي لذلك ينجذب إلى الشخصيات المثيرة للجدل التي تقدم محتوى سطحيا يعتمد على الضجيج والاستفزاز والفرجة والقفاشات .

ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تسريع وتفشي هذه الظاهرة القبيحة وأصبحت الشهرة تقاس بعدد المشاهدات والإعجابات أكثر مما تقاس بقيمة الفكرة أو جودة المحتوى و الإنجاز لذلك يجد التافه نفسه في موقع البطولة لأنه أتقن جذب الانتباه وارتفعت عدد اللايكات بينما يبقى أصحاب الكفاءة والمعرفة في الظل لأن أعمالهم لا تعتمد على الإثارة الرخيصة.

والأخطر من ذلك أن الجماهير حين ترفع شخصا تافها إلى مرتبة القدوة فإنها تمنحه سلطة رمزية تؤثر في سلوك الآخرين خصوصا الشباب المتمدرس فيتحول الحديث عن العلم والعمل والإبداع إلى أمر ثانوي بينما تصبح الشهرة السريعة والظهور المستمر غاية في حد ذاتها.

ولا يعني هذا أن كل مشهور تافه أو أن كل متابع جاهل لكن المجتمعات التي تضع المعرفة في آخر سلم الأولويات تفتح المجال واسعا أمام صناعة الأصنام الإعلامية الفارغة فكلما تراجع دور المدرسة والثقافة والقراءة ازداد نفوذ التفاهة وتضاعف عدد من يصفقون لها.

إن صناعة الأبطال الحقيقيين تبدأ من تقدير العلم والكفاءة والأخلاق أما صناعة الأبطال الوهميين فتبدأ حين يتخلى المجتمع عن معاييره ويستبدلها بمعيار واحد الا وهو من يثير الضجيج أكثر وعندما يصبح الضجيج قيمة بحد ذاته يتحول التافهون إلى نجوم في سماء الجهلة، ويصبح الجهل شريكا في صناعة شهرتهم واستمرارها.

فالأمم لا تنهض بمن يملؤون الشاشات بالكلام الفارغ والرخيص بل بمن يملؤون العقول معرفة، والواقع إنما يعكس دائما نوع الأبطال الذين يختار المجتمع أن يحتفي بهم.

Loading

Share
  • Link copied
تعليقات ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (Number of characters left) .