الصحافة المستقلة والمواقف النبيلة في زمن التضييق على حرية التعبير

في الأزمنة التي يشتد فيها الخناق على الكلمة الحرة تصبح الصحافة المستقلة أكثر من مجرد مهنة بل تتحول إلى موقف أخلاقي ورسالة إنسانية ومسؤولية تاريخية تجاه الشعب، فالصحفي الحقيقي لا يكتفي بنقل الخبر، بل يحمل هم المجتمع والترافع عن قضايا الناس بجعل القلم صوتا وصرخة لمن لا صوت لهم، حتى وإن كلفه ذلك التضييق أو العزلة والتهميش أو حملات التشويه.

حرية التعبير عبر التاريخ تعتبر معيارا حقيقيا ومقياسا لمدى نضج المجتمعات واحترامها للكرامة الإنسانية والتزامها بالمواثيق الدولية. وكلما ضاقت وتقلصت مساحات الحرية ظهرت الحاجة إلى رجال ونساء يمتلكون الشجاعة للدفاع عن الحقيقة مهما كلف الامر، ففي زمن الصمت المفروض على الأصوات الحرة تصبح الكلمة الصادقة فعل مقاومة عن طريق كشف الاختلالات ومحاولة تقويم الاعوجاج وبذلك يصبح الصحفي الحر والمبدئي شاهدا على العصر لا مجرد ناقل للأحداث.

إن المواقف النبيلة لا تقاس بحجم الشهرة ولا بعدد المتابعين والمناصرين والمشجعين على مواصلة الدرب ، بل بقدرة الإنسان على الثبات على المواقف حين يصبح الثمن باهظا، وهناك صحفيون اختاروا أن يقفوا إلى جانب الحقيقة رغم الضغوط ورفضوا تحويل الإعلام إلى أداة للتضليل أو التطبيل وتسيق توجهات سياسية معيبة، لانهن آمنوا بأن الرسالة الصحفية تقوم على النزاهة والاستقلالية واحترام عقول القراء والمواطنين.

إن التضييق على حرية التعبير لا يضر الصحفي وحده، بل يضر المجتمع المتحضر بأكمله. لأن غياب الصحافة الحرة والمستقلة والمحايدة يفتح الباب أمام الإشاعة والخوف والاحتكار للمعلومة مما يمنع الناس من معرفة ما يدور حولهم من احداث ووقائع وتحولات سياسية بموضوعية وشفافية. فالمجتمع الذي تكمم فيه الأفواه وتكسر فيه الأقلام الحرة يفقد تدريجيا قدرته على النقد والمساءلة والإصلاح.

ورغم كل التحديات والاكراهات ما تزال الصحافة الحرة قادرة على البقاء والصمود في وجه الهجمات والتشهير والتشويه والاعتداءات، لأن الحقيقة بطبيعتها لا يمكن خنقها ولا  يمكن  ان تموت. قد تتأخر، قد تحاصر، لكنها تجد دائما من يحملها بإيمان وشجاعة. وهنا تتجلى قيمة المواقف النبيلة حين يختار الإنسان الدفاع عن المبادئ بدل المصالح، وعن الكرامة بدل الخوف.

إن الدفاع عن حرية التعبير ليس دفاعا عن فئة معينة من طبقات الشعب، بل دفاع عن حق الجميع في التفكير والسؤال والاختلاف والنقد الهادف والمسؤول. والصحافة حين تتمسك بأخلاقيات المهنة ونبل الرسالة تصبح إحدى أهم أدوات حماية المجتمع من الاستبداد والجهل والتضليل.

ورغم التضييق والاعتداءات والاستهداف المدبر ستبقى الكلمة الحرة أقوى من كل محاولات القمع والعسف والشطط الذي تمارسه اجهزة الدولة لإسكات الأصوات الحرة ، لأن التاريخ لا يتذكر الذين صمتوا خوفا، بل يخلد أولئك الذين امتلكوا شجاعة قول الحقيقة في أصعب اللحظات.

Loading

Share
  • Link copied
تعليقات ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (Number of characters left) .