كلما اقترب موعد الانتخابات ، تدب حركية دائبة في الساحة السياسية المغربية ، وتكثر اللقاءات والاجتماعات الحزبية ، لاستهلاك نفس الخطاب وتدوير نفس الكلام لقاءات مع حضور من مختلف الأطياف من المفترض فيهم انهم من منخرطي هذه الأحزاب ، وأنت لو قمت بتحر دقيق معهم لوجدت السواد الأعظم منهم لا يمت إلى هذا الحزب أو ذاك بصلة ، منهم من لا يفقه شيئا فيما يقوله الزعيم ولا يستطيع فك شفرة وطلاسم ما ينسجه من تعابير سياسية غليظة ، قد نتفق على أن هذا الخروج الحزبي أمر محمود ومهم في الممارسة السياسية لإحياء الصلة مع الجماهير والقواعد ، وفي نفس الوقت إيصال رسائل إلى الرأي العام ، لكسب وده واستدرار عطفه باعتباره ورقة انتخابية مهمة يجب الظفر بها في الاستحقاقات القادمة ، لكن الإشكال في كل ذلك يكمن في طبيعة الأحزاب وطبيعة المسؤولين الحزبيين وطبيعة الخطابات التي يدبجونها ويلقونها على مسامع الجماهير ، وهل من الممكن أن تغير هذه الخرجات والخطابات شيئا في الواقع ، وتغير نظرة المجتمع للسياسة و للأحزاب السياسية المغربية وللعمل السياسي ؟
إن أكبر تحد تواجهه الأحزاب السياسية في المغرب اليوم بدون أدنى مواربة هو أزمة ثقة ، بينها وبين المواطنين ، هذه الثقة التي اهتزت أركانها نتيجة تراكم الكثير من الأخطاء والهفوات ، خاصة من طرف الأحزاب التي شاركت في الحكومات المتعاقبة ، والتي تحملت مسؤولية تسيير شؤون البلاد ، واتخاذها لجملة من القرارات التي اعتبرت من طرف الكثيرين مجحفة خاصة في شقها الاجتماعي ، وأدت إلى تدهور القدرة الشرائية للمواطنين ، نتيجة غلاء المعيشة ، وعدم تدخل الدولة من جانبها لتخفيف الأزمة والحد من تداعياتها ، هذا ناهيك على نكثها للعديد من الوعود التي تسطرها في برامجها الانتخابية والتي لا تحقق منها الا النزر القليل ، ولذلك حينما يلتئم اليوم تجمع حزبي استعدادا للاستحقاقات التشريعية المقبلة لا تلمس تقدما في الخطاب السياسي الرصين ، المبني على تشخيص دقيق للأوضاع ، وعلى رصد حقيقي للأخطاء التي ارتكبتها الأغلبية الحاكمة الحالية وتحويلها إلى وقود حيوي لصياغة برنامج قادر على تصحيحها وتجاوزها ، هذا هو الذي يهم المواطن ، الا أنه للأسف الشديد ما نشاهده في هذه التجمعات لا يعطي الأولوية الكافية لما أشرنا إليه ، ما نجده هو بمثابة ردود متشنجة من هذا المسؤول الحزبي أوذاك ، وكأننا في حلبة للمصارعة ، بمعنى تم السقوط بشكل سافر في الشخصنة ، واستهداف أشخاص أو وزراء بعينهم عوض محاكمة تجربة سياسية جكومية برمتها ، وإعادة إنتاج نفس الخطاب إلى حد الملل والتبرم ، والمواطن بدون شك لم تعدله القدرة للاستماع لمثل هذه المداخلات وهذه الخطابات التي غالبا ما تكون مرتجلة ن ولم يعد يستحمل رؤية نفس الوجوه تكرر وتلوك نفس الكلام ، المواطن يطمح إلى مشهد سياسي متطور ، وإلى تجديد النخب ، وتكريس الديموقراطية الداخلية في الأحزاب وأمور أخرى كثيرة ، المشهد السياسي والحزبي في المغرب يحتاج إلى تغيير حقيقي وجوهري على العديد من المستويات ، حتى يمكن استرجاع هذه الثقة المفقودة ، فمن المستحيل أن ينجح مسلسل انتخابي أو تجربة سياسية في أي بلد إذا لم يكن هناك توافق وتعاقد حقيقي بين السياسي والمواطن ولو في حدوده الدنيا ، لا يمكن للحقل السياسي أن يزهر ويثمر ثمارا حقيقية الا بتفاعل المواطن مع السياسي ، وإذا غاب هذا التفاعل أصيب هذا الحقل بالقحط ، بمعنى نحن اليوم أمام إشكالية حقيقية وهي إعادة تأسيس علاقة جديدة بين السياسي والمواطن على أسس جديدة ومثينة ، إذا أراد هذا الحقل الاستمرارية ، علاقة مبنية على الصدق والنزاهة ، وتحمل المسؤولية ، والمحاكمة ، كلما كان هناك إخلال بالمسؤولية ، مما يجعل السياسي يحرص دائما على تجنب المساس بمصالح المواطنين وعدم تلطيخ يده بالفساد أو مد يده للمال العام ، أو تضارب المصالح ، فالمسألة بسيطة ولا تحتاج إلى كثير تفصيل ، تطبيق القانون وضرب على يد من حديد في حق كل من ثبت فيه ارتكاب جرم سياسي في حق البلاد والعباد ، ومساءلته مساءلة حقيقية ، من دون شك هذا سيعطي الانطباع للجميع أن السياسة في المغرب تسير على الطريق الصحيح ، وهنا سيجد المواطن نفسه ملزم في الانخراط في العملية السياسية سواء فيما يتعلق بالانتماء الحزبي أو التصويت في الانتخابات وما إلى ذلك ، فالمطلوب اليوم كأول خطوة من أجل استعادة الأحزاب السياسية توهجها ، والتصالح الفعلي مع المواطن ، هو تجاوز هذا النكوص وهذا الارتداد الذي تعيشه هذه الأحزاب السياسية ، خاصة التي كانت كبيرة وقوية وبمرجعية سياسية واضحة وقريبة من المواطن ، وكانت تمثل مدارس للنضال والممارسة السياسية الحقيقية التي أغرت الكثيرين بالعمل السياسي ، وكانت إلى عهد قريب تعقد عليها امال عريضة ليس لتحقيق المكتسبات لعموم الشعب وحسب ، وإنما لترسيخ الفكر الديموقراطي في الحقل السياسي عامة ، وهذه الأحزاب معروفة وتعد على رؤوس الأشهاد ، الا أن للأسف ما حدث في هذه الأحزاب من هزات وارتجاجات وانشقاقات حولت هذه الأحزاب من قوة سياسية حقيقية إلى أحزاب عادية ، بدون أنياب ولا مخالب ، أحزاب مهادنة تنكرت لمرجعيتها السياسية والإيديولوجية ، وتخلت على قيم ومبادئ الحزب الكبيرة ، وسقطت في فخ المصلحة الشخصية وحب الاستوزار وما إلى ذلك من السلوكات التي جعلت المواطن يولي وجهه شطر أحزاب أخرى ، ولنا في هذا الصدد في حزب الاتحاد الاشتراكي خير دليل على ما نجنح إليه ، وبعده بطبيعة الحال حزب العدالة والتنمية الذي تحمل المسؤولية السياسية لولايتين متتاليتين ، وكان يتربع على عرش الانتخابات ، اليوم أصبح حزبا صغيرا ، بالكاد يجمع شتاته للدخول في الانتخابات المقبلة ، فإعادة تأهيل المشهد الحزبي في المغرب يمر حتما من إعادة تقوية أحزاب حقيقة وإعادة التموقع ، وتكريس قطبية سياسية حقيقية حتى تتضح الرؤية للمواطن ويعرف الاتجاه الذي سيسير فيه ، أما ترك هذا المشهد تحت رحمة الضبابية وعدم الوضوح فمن دون شك لن يعطينا فرزا سياسيا حقيقيا ، وسيجعله دائما يبدو باهتا ، وغير مغري لأي أحد .
من المؤكد أن الأحزاب السياسية ينتظرها عمل كبير ، في القطع مع الارتجال والعشوائية والتقليدانية والاستبداد ، وذلك بإعادة قراءة الواقع المغربي قراءة علمية دقيقة ، تجعل هذه الأحزاب تسير بنفس السرعة التي يسير بها المجتمع ، واللا تبقى حبيسة التدبير الموسمي ، ولا تخرج إلى العلن الا حينما يدنو موعد انتخابي ، الأحزاب السياسية الحقيقية هي التي تفتح أبوابها للشباب الواعد وتلقينه المبادئ الأولى للسياسة وتأطيره سياسيا وتحصينه فكريا وديموقراطيا ، وتطعيمه بالقيم الفضلى للدفاع عن مصالح الحزب ومصالح الوطن الذي يستنشق عبيره ، وهذا عمل في صلب الاهتمام الحزبي ، والا ما دورها في المجتمع ، دور التأثيث والحصول على الدعم والخلود في المناصب ، يمقته المنطق السياسي الديموقراطي الحديث ويرفضه.
![]()

تعليقات ( 0 )