تعد ظاهرة (المستشار الصامت) من الظواهر المتنامية التي أصبحت تتناسل بقوة داخل المؤسسات والإدارات والجمعيات وحتى في الحياة السياسية والاجتماعية. ونعني بالمستشار الصامت ذلك الشخص الذي يمنح منصبا استشاريا أو مكانة قريبة من مركز القرار، لكنه يختار الصمت الدائم، فلا يقدم رأيا واضحا، ولا يساهم في حل المشكلات، ولا يتحمّل مسؤولية الموقف، مكتفيا بالمراقبة أو المجاملة أو انتظار ما ستؤول إليه الأحداث.
إن أخطر انواع هذه الظاهرة المستشار الذي يمثل الساكنة وبصمته يفرغ المسؤولية التعاقدية من معناها الحقيقي. فالمستشار وجد أساسا ليكون صاحب رأي وخبرة، يساهم بالنقد البناء ويقترح الحلول، لا أن يتحول إلى مجرد ديكور سياسي أو شاهد صامت على الأخطاء. فحين يسود الصمت داخل دوائر القرار السياسي، تتراكم الأخطاء، وتغيب المحاسبة، ويصبح المسؤول محاطا بأشخاص يوافقونه ضمنيا أو يفضلون السلامة الشخصية على قول الحقيقة.
وتعود أسباب هذه الظاهرة إلى عدة عوامل، منها الخوف من فقدان الامتيازات أو المناصب او البحث عنها بممارسة لعبة الصمت، أو انعدام المقدرة على المناقشة وطرح افكار بسبب الجهل، أو انتشار ثقافة النفاق السياسي التي تجعل بعض المستشارين يعتقدون أن الصمت أكثر أمانا من الصراحة. كما أن بعض المؤسسات الدستورية تشجع بشكل غير مباشر هذا النوع من الشخصيات المطاطية والزئبقية، لأنها تفضل المستشار المطيع على المستشار الجريء القادر على النقد والتصحيح.
وتنعكس آثار (المستشار الصامت) سلبا على المجتمع والمؤسسات المنتخبة ، إذ يؤدي إلى تعطيل الإصلاح المرغوب، و التصفيق للفشل واجازته وإضعاف الثقة في ممثلي الشعب. كما يخلق بيئة يسودها التردد والخوف بدل المبادرة والإبداع. فالمؤسسات الناجحة لا تبنى بالأشخاص الذين يكتفون بالمشاهدة، بل بمن يملكون شجاعة إبداء الرأي وتحمل المسؤولية ومناقشة القرارات التي تخدم المصلحة العامة ومعارضة القرارات التي تساهم في هدر المال العام .
إن تجاوز هذه الظاهرة المتفشية والمستشرية يقتضي ترسيخ ثقافة الحوار والنقد المسؤول لهذه الكائنات والاختيار الانسب، ودفع القوة الناخبة الى التعاطي مع الاصوات الحرة القادرة على التعبير عن مواقفها دون خوف. كما يجب ربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى لا يتحول المنصب السياسي في مؤسسات الشعب إلى امتياز شكلي بلا دور حقيقي.
إن (المستشار الصامت) ليس مجرد فرد قليل الكلام، بل هو رمز لخلل أعمق في ثقافة التسيير والتدبير السياسي لان الحزب الذي يمنه التزكية يتحمل المسؤولية الاخلاقية. لذلك فإن بناء مؤسسات قوية وفعالة يمر حتما عبر مستشارين يمتلكون الجرأة والكفاءة وروح المسؤولية، لأن الصمت في مواقع التأثير قد يكون أحيانا أخطر من الخطأ نفسه.فالمنتخب الذي يفوز بثقة القوة الناخبة لاكثر من ولاية ثم يختفي عن المشهد، فلا حضور قوي داخل الدورات، ولا تواصل مع الساكنة، ولا مبادرات أو مواقف تعكس حجم المسؤولية التي وضعت على عاتقه.
هذا الصمت المريب الذي يستمر لأكثر من ولاية انتخابية نحمل فيه المسؤولية للناخب الذي يتواطأ مع هذه الكائنات التي تتحول الى ظاهرة تثير تساؤلات عميقة عن الدور الحقيقي في المؤسسة الدستورية ودور ممثل الساكنة الذين لا يريدون ان يكون مجرد اسم ضمن الاغلبية او المعارضة بل يجب ان يكون صوت الساكنة في المجلس الجماعي، ومهمته الترافع والانصات للساكنة ومحاولة طرح الإشكالات في برامج الدورات لاجازتها إضافة إلى مراقبة طريقة صرف أموال الشعب وتدبير الصفقات العمومية ومناقشة العراقيل في وجه التنمية المستدامة واقتراح الحلول العملية والعمل على الرفع من جودة الخدمات في الملحقات الإدارية.
بعض المستشارين في جماعة الخميسات تخشبوا في كراسي المسؤولية حضورهم مثل غيابهم بدون قيمة لانهم مجرد ارقام في معادلة التصويت اذ لا يشاركون في النقاشات العمومية ولا تقديم مقترحات او مطالب سكانية والدفاع عنها مجرد خشب مسندة في المؤسسة الدستورية.
الصمت في جماعة الخميسات أصبح أمرا عاديا ويضرب في العمق دور ممثل الساكنة قانونيا وأخلاقيا لانه منفصل عن القوة الناخبة وعاجز عن احترام الثقة والأمانة التي منحت له للدفاع عن القضايا المشتركة التي تساهم في التنمية لان المواطن ليس بحاجة الى مستشار يحمل صفة سياسية بل الى ممثل ساكنة لديه المقدرة والشجاعة والفهم الحقيقي للمسؤولية التعاقدية لأن الجماعات الترابية لا يمكن أن تتطور في ظل الصمت والغياب، بل تحتاج إلى أصوات تدافع، وتراقب، وتقترح، وتتحمل مسؤولية اختياراتها أمام المواطنين.
![]()

تعليقات ( 0 )