أثار خبر اعتقال ومتابعة قاض بتهمة تسريب معطيات لجهة معادية للوطن موجة واسعة من التفاعل داخل الفضاء الرقمي، حيث تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة للنقاش الحاد، وتبادل الاتهامات، وإصدار الأحكام المسبقة قبل أن تقول العدالة كلمتها النهائية. وبين خطورة الأفعال المنسوبة إلى المتهم، وخطورة الانزلاق نحو الإدانة الجماعية عبر الإنترنت، يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الوطن دون التضحية بمبادئ العدالة وقرينة البراءة؟
لا شك أن أي شبهة تتعلق بتسريب معلومات حساسة إلى جهات معادية تعد مسألة بالغة الخطورة، خصوصا عندما يكون المعني بالأمر شخصا ينتمي إلى جهاز يفترض فيه حماية القانون وترسيخ الثقة في المؤسسات. فالقاضي ليس مجرد موظف عادي، بل يمثل رمزا للعدالة والنزاهة، وأي اتهام يطال هذه المؤسسة ينعكس مباشرة على صورة القضاء وثقة المواطنين فيه.
غير أن خطورة التهم لا تعني بالضرورة سقوط حق المتهم في محاكمة عادلة. فالدولة الحديثة والديمقراطية لا تبنى على ردات الفعل أو التشهير، بل على احترام المساطر القانونية وضمان حقوق الدفاع وصولا الى محاكمة عادلة. إن قرينة البراءة ليست امتيازا شخصيا يسبغ على جهة معينة دون غيرها، بل مبدأ دستوري وأخلاقي راسخ يحمي الجميع من التعسف والعسف ومن محاكمات الرأي العام.
لكن ما يحدث اليوم على الشبكات الرقمية يكشف تحولا مقلقا في التعاطي الارتجالي مع قضية القاضي إذ أصبحت بعض الصفحات والحسابات تتعامل مع القضايا الحساسة بمنطق الإثارة والسبق الافتراضي، فتنشر صور المتهمين، وتتداول روايات غير مؤكدة، وتصدر أحكاما جاهزة قبل انطلاق جلسات المحاكمة. وفي كثير من الأحيان، يتحول النقاش من البحث عن الحقيقة إلى حملات تشهير جماعية تتجاوز حدود النقد المشروع.
إن خطورة “المحاكم الرقمية” تكمن في تأثيرها على الرأي العام، وربما حتى على مناخ المحاكمة نفسها. فحين يقدم شخص للرأي العام باعتباره “خائناً” أو “مداناً” قبل صدور حكم قضائي نهائي، فإن ذلك يهدد مبدأ استقلال القضاء ويغذي ثقافة الانتقام والشماتة بدل ثقافة القانون.
وفي المقابل، لا ينبغي أن يتحول الدفاع عن قرينة البراءة إلى تبرير للصمت عن القضايا المتعلقة بالأمن الوطني أو التقليل من شأنها. فالوطن فوق الجميع، وأي اختراق محتمل لمؤسساته العمومية يجب أن يواجه بحزم وشفافية ومحاسبة عادلة. غير أن الحزم الحقيقي لا يكون عبر حملات التشهير التي تمارسها مؤسسات اعلامية ومنصات رقمية معروفة، بل عبر تحقيق نزيه ومحاكمة تستند إلى الأدلة والقانون.
إن التوازن بين حماية الوطن وحماية العدالة يظل من أصعب التحديات في زمن السرعة الرقمية. فالمجتمعات التي تنتصر للقانون هي تلك التي ترفض الخيانة إن ثبتت، لكنها ترفض أيضا تحويل الاتهام إلى إدانة مسبقة من قبل المنتفعين من التشهير. وبين حق المجتمع في معرفة الحقيقة، وحق المتهم في محاكمة عادلة، تبقى الكلمة الأخيرة للقضاء لا غير ، لا للترند واللايكات ولا للمحاكم الافتراضية.
المؤسف والعبثي في قصة القاضي وليد الطالبي ليس فقط الاتهامات التي تطاله بناء على التسجيلات أو المحادثات المسربة، بل عمليات السحل والتقطيع والدوافع التي تحرك المشهد وتؤثثه وتقدمه جاهزا لتشكل راي عام يصدر الأحكام المسبقة قبل أن تقول العدالة كلمتها.
بعض هؤلاء الذين شحذوا السكاكين ونصبوا المشانق ليس وعيا بالقضية ودراسة التفاصيل المرتبطة بالقضية بل تجاوز ذلك الى التشفي وانتقاما لكون الرجل اصدر في وقت سابق أحكاما قاسية في حق أشخاص ومؤسسات وبدل التروي ومناقشة حيثيات القضية التي اشتعلت في البيت وانتقلت إلى جهة معادية بحثا عن الحلول لدفع الأذى عن بيت الزوجية منعا لكل تشهير أو إساءة فسقط القاضي لقلة الحيلة في المحضور ليس بحثا عن خيانة الوطن ولا الضرب في المقدسات الوطنية الثابتة ولا التامر على مسؤول معين في أجهزة الدولة.
الأخطر في اعتقال القاضي ليس التهم التي مازالت التحقيقات المعمقة جارية فيها بل الإدانة الشعبية المسبقة للرجل وتجاوز الأمر في بعض المنصات الرقمية عملية الاعتقال والنقد الهادف والمسؤول الى الهجوم الشرس وغير المبرر واستعراض التفاصيل الحميمية، إنها عملية تصفية نفسية مدبرة بتفريخ الشائعات والإحراج وكله في سبيل جمع اللايكات ورفع مؤشر المتابعات وكل هذه الهجمة لا تجيب عن الأسئلة القانونية هل نعتبر كل تواصل مع شخص معارض (تخابرا) يستوجب المسائلة ، القانون الجنائي لا يجب ان ينى على التخمينات والاستنتاجات بل على عملية تفكيك التهمة الموجهة للقاضي هل تسبب في ضرر لجهة معينة وما حجم الضرر ، وما هي المعلومات السرية التي أفشاها المعتقل على ذمة القضية هل هي حكومة معادية للوحدة الترابية ام منظمة إرهابيه تعمل ضد مصالح الدولة المغربية وتطمح الى زعزعة الاستقرار، فالقاضي منصبه لا يخوله الاضطلاع على أسرار الدولة الدقيقة وحتى وان افترضنا انه سمع بالصدفة حديثا سريا فهل القاضي مزلم بإبلاغ جهة ما حتى تسبغ عليه الوطنية هذه الأسئلة الشقية لا تجيب عنها التعليقات الساخنة ولا الاستنتاجات السخيفة، بل التحقيقات العميقة والهادئة المعززة بالحجج والادلة والقضاء النزيه لان العدالة القوية لا تبنى على الشماتة والاجتهاد القبيح في تحويل انسان الى خائن قبل ان تكتمل فصول التحقيقات الجارية واصدار حكم نهائي.
![]()

تعليقات ( 0 )