في كثير من المؤسسات والإدارات العمومية، تتكرر مشاهد مألوفة عند وقوع خطأ أو أزمة العجز عن تدبير مرفق من الأهمية بمكان يتم البحث سريعا عن “المشجب”، لكن العدالة لا تتجه دائما نحو صاحب القرار الحقيقي، بل تتوقف عند الحلقة الأضعف في السلسلة الإدارية. ويتحول الموظف الادنى درجة إلى “كبش فداء” يضحى به لإخفاء تقصير المسؤول الأعلى، أو لحماية صورة المؤسسة أمام الرأي العام.
هذه الظاهرة ليست مجرد خلل إداري عابر، بل تعكس أزمة عميقة في ثقافة المسؤولية والمحاسبة. مؤخرا في مدينة الخميسات بعد ارتفاع معدلات الجريمة وتحرك المجتمع المدني الذي ادان العجز والفشل في محاربة الجريمة تم التضحية برئيس قسم الشرطة القضائية بالمنطقة الأمنية بدل هدم المعبد برمته وإعادة بنائه وفق تصورات حديثة تعكس الرغبة في الإصلاح والتغيير وتمكين الأطر الشابة من المسؤولية.
فموظف قسم الشرطة القضائية لا يمتلك سلطة اتخاذ القرار النهائي، ولا يملك النفوذ الذي يحميه عند الأزمات القوية مباشرة بعد تحرك المجتمع المدني لادانة الجريمة المكتسحة والمنتشرة في الأحياء والتي تخلف ضحايا بالعشرات ناهيك عن تكسير زجاج السيارات والسطو على الممتلكات والاغارة على الاحياء باستعمال الاسلحة البيضاء فالرجل أول من وجهت إليه أصابع الاتهام لأنه الأسهل استهدافا والأقل قدرة على الدفاع عن نفسه.
إن التضحية بموظف قسم الشرطة القضائية- وتركه معلق بدون مهمة- قرار غير مقنع بالمرة لان المحاسبة يجب أن تمتد الى المسؤول الحقيقي في المعادلة الامنية لان الانتقائية تخلق شعورا قويا بالظلم داخل المرفق العمومي المكلف بحماية امن وسلامة المواطن. فالعدالة لا تتحقق بمعاقبة الأقل درجة، بل بمحاسبة من يملك السلطة والقرار الاداري في تدبير المرفق تدبيرا عقلانيا يستجيب لمطالب الساكنة في الحماية وحين يدرك العاملون أن العقاب لا يبنى على الحقيقة بل على ميزان النفوذ فإن الثقة داخل المؤسسة تنهار ويحل الخوف محل روح المبادرة والاجتهاد.
وهذه الممارسات تؤدي إلى نتائج خطيرة على المدى البعيد فالموظف الذي يرى زميله يضحى به بسبب التقصير او عدم المقدرة على حل اشكالات ومعضلات امنية سيفضل الصمت وتجنب المسؤولية بدل الإبداع وتحمل المبادرات. أما المسؤول الحقيقي يعتاد الإفلات من المحاسبة ما يفتح الباب لتكرار الأخطاء وتفاقم اللامبالاة التي تدفع المسؤول الأول في حالات كثيرة الى الاستعانة بعناصر أمنية متمرسة من مدن اخرى لتجفيف منابع الجريمة وهذه الاستعانة تكشف عن العجز والخلل.
المجتمعات المتقدمة تبنى على مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. فكل منصب أعلى يعني مسؤولية أكبر، وليس حصانة أكبر. وعندما يتحمل رئيس المنطقة الأمنية أخطاء المؤسسة بشجاعة، فإنه يرسخ ثقافة النزاهة والاحترام. أما حين تلقى الأخطاء على الموظفين الصغار لإرضاء الرأي العام أو حماية الكبار، فإن المؤسسة تخسر أخلاقها قبل أن تخسر كفاءتها.
إن الإصلاح الحقيقي يبدأ تلقائيا بترسيخ العدالة داخل أماكن العمل بحماية الموظف البسيط من أن يتحول إلى ضحية لصراعات النفوذ. فلا يمكن بناء إدارة قوية وشفافة ما دامت الحقيقة تخفى خلف معاقبة الأضعف، وما دام المسؤول الأعلى ينجو دائما من المساءلة.
![]()

تعليقات ( 0 )