في الأنظمة الديمقراطية التي تحترم شعوبها، لا يعتبر صوت الجماهير مجرد ضجيج عابر في الشوارع والساحات والمقاهي، بل رسالة سياسية وأخلاقية عميقة يجب التفاعل معها بصدق. وحين يرفع المواطنون في جماعة والماس اقليم الخميسات شعار “ارحل” في وجه البغلماني محمد شرورو باعتباره مسؤول سياسي، فإن الغاضبين لا يطالبون فقط بتغيير شخص بشخص من نفس العينة ،بل يعلنون فقدان الثقة في مشروع سياسي عاجز ، ويمتد الامر الى طريقة تدبير مؤسسة دستورية تتصرف سنويا في الملايير لكنها لم تستطع توفير الاحتياجات الاساسية ،وفي تفعيل الوعود المقدمة اثناء الحملات الانتخابية وتدوير برنامج سياسي فضفاض لم يفعل على ارض الواقع.
السياسة السيد شرورو البغلمامي المحترم ليست امتيازا دائما، ولا كرسيا أبديا، بل مسؤولية مرتبطة برضا الناس وخدمتهم على احسن وجه عبر التدبير العقلاني لاموال دافعي الضرائب وخلق مشاريع تستجيب للمطالب السكانية، عندما يتحول الغضب الشعبي إلى مطلب جماعي بالرحيل على اثر الفاجعة التي اودت بحياة تلاميذ واصابة 30 راكبا اخرين بعد انقلاب سيارة 207 للنقل السري في منحدر عميق ونقلهم الى مستشفى الخميسات لان المرفق الصحي بالجماعة الاغنى بدون تجهيزات ولا اطر طبية والمصيبة يتم صرف الملايين سنويا على مهرجان تافه يعود بالنفع على المقاولات بدل المواطن المقهور، امام هذا الوضع السيد البغلماني يصبح التشبث بالمناصب نوعا من العناد السياسي الذي يزيد من اتساع الهوة بين الحاكم والمواطن. فالمسؤول السياسي الحقيقي من يلتقط الاشارات و يمتلك الشجاعة للاعتراف بالفشل قبل أن يفرض عليه الشارع ذلك.
لقد أثبت التاريخ أن الشعوب قد تصبر طويلا على الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية والصحية، لكنها لا تغفر الاستهزاء بمعاناتها أو تجاهل صوتها. وحين يشعر المواطن بأن السياسي لا يسمعه، ولا يراه، ولا يشعرر بمعاناته ولا يكترث لكرامته، يصبح الشارع هو المنبر الأخير للتعبير عن الرفض. ومن هنا، فإن شعار “ارحل” ليس دائما دعوة للفوضى والخروج عن القانون، بل قد يكون محاولة لإنقاذ ما تبقى من الثقة في المؤسسات.
السياسي الناجح لا يقاس بعدد سنوات بقائه في السلطة، بل بقدرته على تحقيق الأثر الإيجابي، وبمدى احترامه لإرادة الشعب في الازدهار والرقي. أما الفاشل فهو من يواصل تبرير الإخفاقات، ويلقي اللوم على الظروف والخصوم، بينما تتفاقم معاناة الناس يوما بعد يوم. والأسوأ من الفشل نفسه السيد البغلماني المحترم هو الإصرار عليه وعدم مراجعة النفس اللجوجة والوقوف وقفة تامل وطرح سؤال ان كان الامر يستحق وضرورة معاندة الواقع.
إن الاستجابة لصوت الجماهير ليست ضعفا ولا خوفا ولا استهدافا مدبرا، بل ممارسة ديمقراطية ناضجة. فالاستقالة عند فقدان الشرعية الشعبية قد تكون أحيانا أسمى أشكال تحمل المسؤولية التعاقدية. أما تجاهل الغضب الشعبي، ومحاولة الالتفاف عليه بالدعاية أو القمع أو التخوين، فلا يؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان وفقدان الثقة.
الشعوب لا تطالب بالمستحيل، تريد الكرامة، والعدالة، وفرص العيش الكريم، ومؤسسات تستمع إليها وتحترم ذكاءها. وعندما يعجز السياسي عن تحقيق ذلك، فإن أصدق موقف يمكن أن يتخذه هو أن ينسحب في هدوء ويقدم الاعتذار، ويفسح المجال لغيره لتقديم الفارق. فالوطن أكبر من الأشخاص، و اكبر من المناصب التي لا تدوم ، أما إرادة الشعوب فتبقى دائما أقوى من كل حسابات السلطة.
![]()

تعليقات ( 0 )