لا يمكن أن يجادل أحد في كون أن الحضارات هي من طبيعة إنسانية وعالمية ، خلاف( الثقافة والفلكلور )أحيانا ، وهما من طبيعة اجتماعية –جغرافية ، وهو ما يعني أن قيادتها تنتقل بين شعوب وأمم وجغرافيات متعددة ومتنوعة ، مرتبطة ومتواصلة ومتراكمة ، تأسست أولا بالفلاحة والزراعة والرعي في الأقاليم النهرية ، وبالذات في الهلال الخصيب ، ثم إلى مصر فاليونان والرومان والفرس وبيزنطة ، ثم عادت إلى الشام والعراق والمغارب والأندلس بتأطير وتحفيز وتنوير من العقيدة الإسلامية ، هذه الحضارات أنجزت جميع وعودها التي تتناسب وتتساوق والسياق الثقافي والاجتماعي السائد آنذاك ، احتوت ودمجت وحافظت على فضائل الحضارات الأخرى وطورتها وراكمتها ، وسلمتها إلى أوربا لتقود المسيرة الحضارية الإنسانية والتاريخية ، ولتستأنف بواسطتها ذات المسيرة ، التراكم والتحديث ، والتقدم لفائدة الإنسانية جمعاء ، كما كان الأمر بالنسبة لسوابقها الحضارية ،فتسلمت أوربا المشعل ووصلت الحضارة عندها أوجها وذراها بفعل الكثير من المتغيرات والقفزات المذهلة التي عرفتها بفعل الثورات العلمية والتكنولوجية التي انطلقت مع الاكتشافات الجغرافية الكبرى وبعدها عصر النهضة ، فعصر الثورات الصناعية الكبرى ،فعصر التنوير وما إلى ذلك ، كل ذلك كان يندرج في إطار الحداثة ، ثم ما بعد الحداثة . واليوم هل يمكن أن نجازف بالقول أن مرحلة ما بعد الحداثة التي تعيشها الحضارة الغربية ، والتي لم تأت بما كان منتظرا منها على مستوى الاحتفاظ بالمكاسب السابقة التي تأسست في عصر الحداثة ، ولم تدفع بأوربا إلى الأمام ، وأصبحت اليوم تبدو ضعيفة ومترهلة وغير قادرة على التحرك إيذانا بتحول جوهري في مسار الحضارة ، وبالتالي يمكن أن تعرف هذه الحضارة اتجاها آخر إلى الأمام ، انسجاما مع مبدأ انتقال الحضارة جغرافيا كما نوهنا إلى ذلك آنفا ؟ تذهب الكثير من الدراسات والأبحاث إلى أن العالم اليوم دخل مرحلة ما بات يطلق عليه ب “الما بعديات ” ويتم الحديث في هذا السياق بالخصوص حول الحداثة ، وما بعد الحداثة ، وهذا الأمر نجد صداه يتردد بقوة عند الغرب بلد منشأ الحداثة ، كما هو الحال في كتابات “فرونسوا ليوتار ، وميشيل فوكو ، وجاك ديريدا “، وآخرون، وإن كان بعضهم يتعاطى مع الأمر بنوع من التحفظ ولا يريد الإعلان الحقيقي والصريح عن إفلاس الحداثة ومعها المجتمعات الغربية ، كما نجد صداها أيضا يتردد عند العديد من المفكرين العرب أمثال ” عبد الوهاب المسيري “الذي كتب كتابا قيما في هذا الخصوص بعنوان ” الحداثة وما بعد الحداثة” ، والذي لا يجد غضاضة بالقول ، فيه أن الغرب لا يريد إعلان موت الحداثة وحسب ، بل حتى ما يصطلح عليه بما بعد الحداثة فهو أيضا في مهب الريح ، وهو لا يستطيع البوح بذلك لأنه يتجنب قول الحقيقة والجهر بالكارثة ، لأن ما بعد الحداثة ببساطة هو الخواء والفراغ ، ومن هنا يمكن القول أن الحضارة الغربية التي بنيت على الحداثة واستمرت مع ما بعد الحداثة كتوجه تصحيحي للإرث الذي خلفته الحداثة في كثير من المجالات ، والذي تكتنفه الكثير من السلبيات والنواقص ، لم تأت بالجديد ، وبما كان منتظرا منها ، على مستوى التطور الثقافي والاقتصادي والقيمي بشكل خاص ، وهكذا بعدما تولت الطبقة الوسطى الغربية مهمة تأسيس وتعميم فضائل وخيرات الحداثة على العالمين ، سلما وحربا ، وأنجزت وعودها التقدمية كاملة ، كما أنجزتها الحضارات السابقة ، نجدها اليوم وقد غرقت في الوحل واهتز بنيانها وتعرضت للعديد من الضربات القاصمة ولانتقادات كبيرة ، ولكثير من التصدعات ،التي أصبحت معها رجعية ، بل ومتوحشة ومتهتكة وفاشلة ، وهذه من طبيعة الحال أولى بوادرإعلان الانهيار ، وبناء على ذلك أصبح الحديث اليوم ، وأمام هذه الوضعية البئيسة التي آلت إليها الحداثة وما بعدها على السواء ، عن إمكانية انتقال الحضارة من الغرب إلى الشرق ، وكأن الحضارة تحن إلى ماضيها البعيد ، لكن هذه المرة ليس عند العرب ، وإنما إلى الصين التي يكاد يتفق الجميع أن هذا البلد أصبح اليوم يؤسس لحضار جديدة ، فالأمر لا يتصل بحضارة صينية خاصة ، بل حضارة إنسانية وعالمية جديدة ، تدشنها الصين ، ولا تؤسسها أو تبنيها ، بل فقط تجربها وتبدع فيها وتساهم في إشاعتها ، والدعاية لها بالممارسة والإنجاز ، لا بالدعوة الإيديولوجية والخطاب السياسي ، إنها ” ما بعد الحداثة ” البورجوازية الرأسمالية الغربية أي برنامج ومبادئ وقيم الاشتراكية في الشروط الوطنية والجغرافية الخاصة بالصين ، ما يسمونه “اشتراكية السوق “.لا يتعلق الأمر هنا بأفول الغرب كما قد يتبادر إلى الأذهان أو كما الصيغة أو الصورة التي يجنح إليها المفكر المغربي” حسن أوريد ” في كتابه ” أفول الغرب “بالمفهوم الشمولي ، بل المقصود هو أفول الرأسمالية التوسعية الربوية والاستعمارية ، وبزوغ فجر اشتراكية السوق الليبرالية ، والتي يعمل الشعب الصيني بنجاح وبقيادة رشيدة من حزبه وإدارة دولته ، على تحقيق نموذج من النماذج الممكنة والمحتملة ، بل والمطلوبة ، من قبل جميع الدول والشعوب والأحزاب الوطنية ، وليس العولمية ، في عالمنا وعصرنا الراهن .وإذا سلمنا أن الحضارة تسير بخطى حثيثة نحو الشرق ، وبالضبط إلى الصين واليابان ، فهل يمكن أن نتوقع مثلا أن تضل هذه الحضارة طريقها وتتجه صوب العالم العربي ، وإن أصبح اتجاهها أمر قائم على أية حال ، أو على الأقل أن تنتقل صوبه في غضون عقود مقبلة ، وإذا كان من الممكن جدا أن يحدث هذا ، لأن كما أسلفنا الذكر أن الانتقال الحضاري بين الأمم يكاد يكون سنة كونية ، لكن هذا لا يعني أن يبقى هذا العالم العربي مكتوف الأيدي وينتظر ما قد يحدث أو لا يحدث ، فلا بد من بلورة شروط هذا الانتقال وتوفير المناخ المناسب لذلك ، يذهب المفكر المغربي المعروف ” عبد الصمد بالكبير” في هذا الصدد إلى أن المادة الخام أو المادة الرمادية التي يمكن أن تنبثق من خلالها حضارة عربية جديدة لا زالت قائمة ، إنما الإشكال يكمن في سوء استغلالها وتوظيفها من طرف أهلها ، هذه المادة عنده هي ما يسميه “بالإسلام القويم” ، ويذهب هذا المفكر بعيدا في هذا الأمر ، ويعتبر هذا الإسلام القويم هو الذي سيحل ما بعد الحداثة بدون منازع ، والمقصود بالدين القويم عنده ، هو الدين الفطري الذي يفسر تاريخه وتمدنه وحضارته ، ومبادئه وقيمه ،ومناهجه ، وهي معروفة عموما لغير المغرضين وغير المفسدين ، دون أن يتعرض للأدلجة والتسييس والتوظيف ، دائما من قبل الطبقات الرجعية ، وإدارات دولها السائدة ، وذلك عن طريق التأويل والتفسير والتحريف ، كما يقصد به أيضا إسلام النص ، مقروءا بشروط التأسيس التاريخية وبمصالح الجماعة الوطنية أو القومية والعلاقات الدولية الإنسانية الطارئة والراهنة . فهل يمكن أن تتحقق نبوءة هذا الباحث ؟ صحيح أن عبد الصمد بالكبير لا ينفي أن مركز العالم والحضارة منتقل إلى الشرق لا محالة وإلى الصين بالتحديد، لكن هذا لايمنع عنده من انبثاق حضارة جديدة في الوطن العربي بالتزامن مع هذا الانتقال ولا يرى أي ضير في ذلك ، لطالما تعايشت حضارات مختلفة على مر التاريخ ، دون أن يؤدي ذلك إلى أي اضطرابات أو مشاكل تذكر .
![]()
