الوتيرة الطبيعية للتطور السياسي في المغرب

رغم ما يكتنف الواقع السياسي المغربي من نواقص ومن إكراهات تعيق التطور نحو الديموقراطية الحقيقية ، الا أنه مع ذلك يعرف حركية ودينامية توحي بأن هذا الواقع يتحرك وليس جامدا ، ولهذا تجد المغرب دائما متقدم سياسيا وحقوقيا على العديد من الدول العربية بالخصوص ، ومناعته السياسية في مستويات عليا ، وهذا ما يعكس معطى لا بد من الانتباه إليه واستحضاره في النقاش السياسي والثقافي ، وهو أن المغرب يجر وراءه تاريخا سياسيا عريقا ، أفضى به هذا المسار السياسي الطويل إلى الديموقراطية ودولة المؤسسات وحقوق الإنسان بشكلها المتقدم أم لم يفض ، لا يهم ، الأهم هو أن المغرب بلور ثقافة سياسية كبيرة بواسطتها يستطيع مجابهة العديد من التحديات والكثير من التعثرات وسطَّر الكثير من الانتقالات السلمية للسلطة ، وبهذه المناعة استطاع أن يتجاوز اختبار ثورات الربيع العربي ، وهو أكبر اختبار عرفه العهد الجديد ، لو لم يكن المغرب قد أرسى دعائم الدولة الوطنية الحقيقية ، وراكم تجربة سياسية كبيرة منذ الاستقلال ، وبناء مؤسسات دستورية ووجود ملكية قوية لعصفت به رياح هذه الثورات ، وهذا ما لم يكن متاحا في باقي الدول العربية التي كانت تعيش في ظل ديكتاتوريات قاتلة ،و رمت بها هذه الثورات في أتون حروب أهلية ،منها من خرجت منها بأقل الأضرار والخسائر ، ومنها من لازالت تؤدي من جرائها ثمنا غاليا ، صحيح أن هناك تجارب سياسية فاشلة مر منها المغرب ، وحالات تنذر بالنكوص والارتداد على كل ما يتم تحقيقه من مكاسب ديموقراطية ، لكن ذلك لا يمكن أن يشكل إشكالا أو عائقا أمام تطور الممارسة السياسية لأن الفشل هو نفسه جزء لا يتجزأ من العملية السياسية برمتها ،فالسياسة دائما تتأرجح بين النجاح والفشل ، وهناك على الدوام عوامل معينة هي المتحكمة في آلية النجاح أو أدوات الفشل، ناهيك عن السياق العام الذي قد تكون الدولة خاضعة له ، والذي يفرض تغيير الفلسفة وإعادة تشكيل الواقع على منطلقات ومبادئ جديدة ، وحتى في الدول المتقدمة التي لديها تقاليد راسخة في السياسة والديموقراطية ، يحدث يوما أن تعرف فصلا من فصول الفشل ، لكن لم يكن ذلك يوما سببا في توقف حركة وعجلة السياسة ، بل بالعكس كل ذلك الفشل وذلك الإخفاق يمكن أن يشكل حافزا نحو التقدم واجتراح أساليب أخرى للتجاوز وتكريس واقع جديد بمواصفات جديدة ومغايرة .

لا أحد يمكن أن يجادل في كون أن الواقع السياسي المغربي يعرف نوعا من التطور وإن قد يبدو هذا التطور بطيئا بين الفينة والأخرى ، فإنه واضح لا تخطئه العين ،فبدون العودة إلى الوراء كثيرا للوقوف على المحطات الكبرى التي عرف فيها المغرب تطورات سياسية كبرى وهي كثيرة بإيجابياتها وسلبياتها ، نعود بالذاكرة إلى العهد القريب ، وذلك النقاش السياسي والقانوني الواسعين اللذين صاحبا وضع دستور 2011 والذي كان نقاشا متقدما ، وتم السماح ببروز مواقف جديدة ومختلفة ، بل ظهرت مواقف رافضة كانت لها جرأة القول والانتقاد وجرأة المطالبة بإصلاحات سياسية عميقة وصلت إلى حد المطالبة بملكية برلمانية على غراربعض الدول الأوربية ، ومع ذلك لم تتعرض لأي مضايقة أو رد فعل سيء من أي جهة ، بالرغم أن ليس الجميع متفق مع هذا الطرح ، لكن هناك أطياف سياسية تتبناه وهذا شأنها والدولة لا تعدم حق أي حد في التعبير عن رأيه ، قد يلاحظ البعض أن ذلك الزخم وذلك النقاش الذي طفا على السطح تزامنا مع استعدادات إخراج دستور جديد للبلاد قد بدأ يعتريه نوع من الفتور وخفتت حدته ، لأنه كانت هناك قناعات خاصة سائدة عند الأحزاب التقليدية التي ترى أن المغرب له وثيرته في التطور السياسي لا بد أن يسير عليها من وجهة نظرها ، فهم يرون أن المغرب محكوم بوثيرة تطور طبيعية ، كانت إحدى مراحلها ما يطلق عليه البعض بالانتقال الديموقراطي أو حكومة التناوب ،والتي تمثلت في انتقال السلطة من عهد إلى عهد ، وكان من بين خصائصها أنها شهدت انفتاحا على المعارضة واسترجاعا لها ومصالحات تاريخية كبيرة ، وحاولت أن تجعل حدا لصراعات نصف قرن بين العديد من الفرقاء السياسيين ، ويلاحظ أنه خلال هذه المرحلة تم تحقيق الكثير من المكاسب التي كان من المتعذر تحقيقها في الفترات السابقة ،حيث الصراع حول السلطة قد وصل ذروته ، وعلى العموم هذه القوى كانت لديها تقييم إيجابي للتطورات التي حدثت في المغرب ، ويذهب البعض إلى القول إن ما وقع من عدوى الحراك العربي كان سيكون لها وقع أكبر لو أنه اندلع في مرحلة سابقة ، لكن الحدث وقع في مرحلة كان المغرب قد حقق تطورات كثيرة على العديد من المستويات ،منها المصالحة التاريخية وتبني حقوق الإنسان ، واعتذار الدولة تقريبا رسميا عن العنف الذي مورس في فترات معينة، كما أنه جاء في وقت أفسح فيه العهد الجديد الطريق لحرية نسبية في الانتخابات وفي تكوين البرلمان ، بمعنى أن قسط الحرية الذي ظهر فيما بعد حدَّ قليلا من الاحتقان السياسي ، الذي عرفته المرحلة السابقة ، التي شهدها المغرب منذ الاستقلال إلى نهاية القرن العشرين ،وهكذا فإن التحولات التي حدثت في المغرب مع العهد الجديد ، سواء مع التناوب أو عبر التصالح مع المعارضة أو عبر المصالحات المختلفة والاعتراف بحقوق الإنسان أو من خلال إقرار مدونة المرأة آنذاك ، جعلت الفرقاء السياسيين يرون بأن وثيرة التطور التاريخي في المغرب وثيرة معقولة ، وأن تسريعها يعني تعنيفها وإدخال نوع من التشويه عليها ، لكن في المقابل وفي ذات الوقت يقولون قد استوعبنا الدرس وصرنا نعي مطالب الشباب ومطالب الفئات الاجتماعية ، هذا ما يدفع إلى القول بأن الرهان سيكون على التجربة الجديدة وعلى المؤسسات الجديدة للديموقراطية ، وهذا ما سيحقق قطيعة مع المراحل السابقة ، التي شهدت صناعة المشهد السياسي وصناعة الأحزاب وصناعة النخب ،وأشكال التحكم في الحقل السياسي ، والظاهر أن القبضة الحديدية قد ارتخت ، وأن المغرب قد دخل مراحل تحول يجب حمايتها وصيانتها من أي عدوى ، إما فوضوية أو انتقامية فيها نوع من الشراسة السياسية، كما تقدم بعض النماذج العربية .

نستطيع القول أن النموذج السياسي المغربي الخاضع لوثيرة التطور التاريخي الطبيعي ، أفرز واقعا سياسيا يجنح نحو الاستقرار والتداول السلمي على السلطة واحترام المنهجية الديموقراطية التي جاء بها دستور 2011وأولى لها أهمية قصوى ، هذه المنهجية هي التي أعطت الفرصة للحزب الإسلامي المغربي العدالة والتنمية للوصول إلى رئاسة الحكومة المغربية مرتين متتاليتين ، في وقت كان يبدو ذلك بعيد المنال أو مستحيلا ، لكن هذا التطور الذي نتحدث عنه هيأ المناخ لذلك ، ومن جهة أخرى لا بد من الإشارة إلى أن هذا النموذج السياسي المغربي له قدرة كبيرة على التكيف مع المستجدات ويسير بشكل متناغم مع التحولات الثقافية والاجتماعية التي يعرفها المغرب بين الفينة والأخرى وهذا ما يضمن له القوة والاستمرارية.

Loading

Share
  • Link copied