ليس من باب الغلو في شيء القول أن المجتمع الذي يستطيب حياة الجمود ، ويتمسك بالتقليد مُعرضا عن التجديد والإصلاح ، مجتمع يحكم على نفسه بالموت البطيء ، وكل مجتمع يعجز عن تجديد نفسه وعن الإبداع والابتكار في الوقت المناسب ، وعندما تتغير الظروف والأحوال من حوله داخليا وخارجيا ، فهذا إعلان صريح أن ثمة كوابح حقيقية مستحكمة في مفاصيل هذا المجتمع لا تسمح بعجلة التجديد والإصلاح بالدوران ، فالمجتمع الذي لا يجدد نفسه على جميع المستويات ،اجتماعيا وثقافيا وسياسيا ودينيا ، تتجمد الحياة في شرايينه ، ويقترب قلبه من التوقف عن النبض و الخفقان، فمثلما يمكن الحديث عن المجتمعات الفاشلة في الميدان السياسي ، كالتي تعيش حروبا أو حالة من عدم الاستقراروالفوضى ، فيمكن أن نتحدث عن المجتمعات الراكدة والجامدة التي لا يعرف إليها التغيير والتجديد سبيلا ، ولا مراء أنه حينما نتحدث عن التجديد في هذا المقام فنحن لا نقصد مجالا أو ميدانا بعينه ، بل نتحدث عن ذلك في إطار من الشمولية والكلية ، أي أن يشمل كل مناحي الحياة والمجالات المعروفة دون استثناء ، والتجديد في أبسط تعاريفه هو إطلاق العنان للتفكير والخلق والإبداع في كل مجالات الحياة لإلباسها حلة جديدة ،وإضفاء عليها طابعا جديدا ، وليس ترديد أو اجترار لما سبق قوله أو الوصول إليه ، لأن كل ما قد تم الوصول إليه في الماضي، ما هو الاانعكاس لسياق ثقافي واجتماعي وتاريخي معين أوانسجاما مع بيئة معينة ، تختلف في الكثير من تفاصيلها عن السياق والبيئة التي نحياها اليوم ، ولهذا فالتجديد دائما مرتبط بالسياق الذي يفرضه ، ولهذا فالتجديد كما يقول المفكر المصري “ناصر حامد أبو زيد“: ” لا ينبع من رغبة شخصية أو من هوى ذاتي عند هذا المفكر أو ذاك ، وهو أيضا ليس تحليقا في سموات معرفية أوعرفانية ، بل ينبت في أرض الحياة ، كما أنه ليس حالة فكرية طارئة ، بل يجسد الفكر في تجاوبه مع الأصل الذي ينبع منها ، ويتجاوب معها بوسائلها الخاصة“. ومن دون شك في الوقت الراهن تبدو الحاجة ماسة لهذا التجديد في المجتمعات العربية بالخصوص ، فالسياق العام اليوم يفرض ذلك ، والجميع يكاد يتفق على أن هناك ضرورة ملحة له ، فالواقع العربي المأزوم اليوم يفرض قراءة جديدة له ، يمكن من خلالها الانتقال من حالة الركود والاستعصاء التي ترخي بأسجافها عليه ، إلى حالة من النهوض والإقلاع على درب التقدم والديموقراطية الحقيقية والمساواة والعيش الكريم ، صحيح أن العالم العربي والإسلامي قد عرف حركات تجديدية وتنويرية كثيرة على امتداد تاريخه الطويل ، لكن يبقى أهمها تلك التي قادها مثلا المصلح الكبير “محمد عبده” ،الذي حاول نقل النهضة العربية نقلة منهجية كبرى تجاوز بها ثورية “الأفغاني “إلى محاولة بناء ” عقلانية إسلامية “على غرار العقلانية الغربية التي أسست لمجتمعات ديموقراطية متقدمة ، هذا إضافة إلى الحركة التنويرية التي كان من ورائها كل من ” علي عبد الرزاق والطاهر عاشور والكواكبي وآخرين ممن تركوا بصماتهم واضحة بفضل أطروحاتهم الفكرية في سيرورة الإنتاج الفكري العربي والإسلامي ، لكن للأسف كل تلك الإصلاحات التي نادى بها هؤلاء المفكرون لم تجد طريقها نحو التبلور والنجاح على أرض الواقع رغم وجاهتها وثقلها المعرفي ، ووقفت السلطتان السياسية والدينية المتحالفتان سدا منيعا أمام نفاذ أفكار وتصورات هؤلاء إلى أعماق المجتمعات العربية والتأثير فيها ، وعلى الرغم أن كل الأفكار التجديدية والتنويرية التي ناضل من أجلها هؤلاء المفكرون العضام ودافعوا عنها دفاعا مستميتا لم تجد صدى كبيرا لدى السلطتين السياسية والدينية العربية بالخصوص، الا أنها بقيت راسخة وملهمة ومرجعية لكل حركة تجديدية يشهدها العالم العربي والإسلامي لاحقا ، وتأثير خطابهم لا زال ظاهرا وجليا إلى اليوم في فكر النخبة المثقفة في هذا العالم ومافتئت تسترشد به في كتاباتها وأطاريحها ، وحتى في فكر ثلة من الطبقة المتعلمة والمتنورة والمهتمة بالشأن السياسي والديني بالخصوص فيه ، وإلى حدود الزمن الراهن لا زال الكثير من المثقفين والمفكرين يقودون حركات تجديدية وتنويرية ممن يعتبرون تتمة للسلف الذين كانوا سباقين في هذا الإطار، نذكر منهم على سبيل الذكر لا الحصر كل من “الجابري والعروي والشرفي والطالبي وحامد أبو زايد وهشام جعيط وطرابيشي واللائحة طويلة “، ورغم وأن أغلب هؤلاء عاشوا في ظل أنظمة ديكتاتورية تحصي الأنفاس وتضع رقابة كبيرة على حرية الرأي والتعبير الا أنهم مع ذلك استطاعوا أن يواكبوا الواقع وما يستجد فيه ، ويعبرون عنه ويصفوه ، ويطرحون البدائل ويجترحون الحلول وما إلى ذلك ، أكيد أن صور التجديد كما يطمح ويتصورها هؤلاء لم تكتمل بعد ، ودائما تصطدم بقوى الممناعة والمناكفة ، لكن كل ذلك لم يجعل اليأس يتسرب يوما إليهم ، ولا زالت تؤمن أن التغيير والتجديد آت لا محالة ، فكل ما يحدث اليوم ومع تعاقب السنين هو بمثابة تراكم معرفي وفكري يمكن أن يساهم في إنضاج شروط هذا التجديد والتغيير وفي وقت من الأوقات سيؤدي دوره ، ويتحقق المراد ، فالمهم هو الاستمرارية وعدم ترك الفراغات والبياضات ، قد لا نصل في الأسس الفكرية للتجديد والإصلاح إلى ما وصل إليه السابقون ، لكن هذا لا يعفينا من القول أن العديد من المجتمعات تعرف دينامية حقيقية في مجالات عديدة وبدأ التجديد يقتحم مجالات بعينها ومنها من وصل فيها شأوا بعيدا ، وهناك منها من فتحت أبواب هذا التجديد ولو بحذر، كما هو الحال في المغرب حاليا ،الذي يبدو أنه سائر في طريق التجديد ، رغم ما قد يثيره ذلك من نقاش سياسي أو فقهي في قضايا معينة شائكة ، فالأساس هو أن المجتمع يتحرك ويتطور، ببطء أو بسرعة لا يهم ، الأهم هو الانطلاقة والانخراط ، فتارة نصيب وتارة نخطئ ، وبذلك يتم التأسيس لفلسفة وثقافة التجديد والإصلاح ومراكمة التجارب في ذلك ، فنحن لا نستسهل أمر التجديد ، ولا يأتي بين عشية وضحاها ، ولا يمكن أن يأتي دفعة واحدة ، بل يجب أن ندرك أن التجديد معركة حقيقية بين قوى مجتمعية تثوق إلى هذا التجديد وتراه مهما وملحا لأن السياق يفرضه ، ومتغيرات كثيرة داخلية وخارجية تحتاج إلى مجابهتها وإيجاد مداميك حقيقية للتعايش معها ومسايرتها ، وبين قوى خائفة على مصالحها ، تستكين إلى الماضي والتقليد أو إلى ماهو قائم وسائد في أحسن الأحوال تحت مسميات ويافطات ومبررات معينة ، ولذلك فالمسألة تحتاج إلى مكابدة وآناة ، ويمكن إلى توافقات واجتهادات وبعد نظر ونقاش علمي رصين وهادئ ، وترجيح كفة المصلحة العليا لهذه المجتمعات تحاشيا لأي ارتدادات أو اهتزازات نحن في غنى عنها .
على مر التاريخ العربي والإسلامي كما أسلفنا الذكر لم تسعف الظروف أو الحظ في إنجاح الحركات الإصلاحية أو التجديدية فيه ، مما فوت العديد من الفرص على هذا العالم على درب التقدم والديموقراطية والتنمية ، وثبت أن سبب فشل كل تلك المحاولات يعود بالأساس إلى سببين رئيسين ، الأول إشهار سيوف التكفيرية وتسليطها على كل من يحاول التفكير الجدي والعلمي في وضع بلدان العالم العربي المأزوم ، حيث تتحالف كما أشرنا إلى ذلك آنفا السلطتان السياسية والدينية في وجه كل من يدعو إلى التحرر من أسر التقليد ، وضد كل من يفتح الباب لدخول هواء جديد يسعى إلى تحريك الأفكار الراكدة فيها ، وثانيا ، رفض الحوار العلمي في البلدان العربية ، وتكريس منطق النقل على العقل ، الذي لازال مدعوما ومسنودا من طرف السلطات السياسية التي ترى في المؤسسة الدينية خير حليف وسند لخنق كل الحركات التجديدية في مهدها ، ولذلك إذا كان المسعى والمراد في هذه البلدان بشكل صادق هو فتح قنوات التجديد ،فإن أول خطوة يجب الإقدام عليها هي فك الارتباط وهذا التحالف بين السلطة السياسية والسلطة الدينية ، وأن تشتغل كل واحدة بعيدة عن الأخرى ، وأن توجه بوصلة اهتمامها وانشغالها تجاه المجتمع وليس تجاه نفسها ومصالحها ، ثم تشجيع الحوار العلمي والفكر النقدي والفكر الاقتراحي التنويري الذي يخدم مصلحة المجتمع ويكشف العيوب والمثالب التي تعتريه ، ويجتهد لتجاوزها أو لإيجاد حلول لها.
![]()
