المغرب في مواجه إسلاميي الظل

تتخذ الظاهرة الإسلامية في المغرب أشكالا وصورا وتمظهرات كثيرة من الصعب الإحاطة كليا بكل الظروف والسياقات التي أفرزتها ، والمسارات التي تنحوها وتنحتها لنفسها ، أو استصدار أحكام متسرعة أو مبتسرة عليها ، كما أننا لا نستسهل أية مقاربة استكشافية تروم النفاذ إلى عمق وجوهر فكرها ومرتكزاتها وتوجهاتها الكبرى والغايات التي ترسمها لحضورها وطموحها في ساحة العراك الثقافي أو السياسي . وبالرغم من كل ما تعلنه صراحة جل هذه التنظيمات أو الجماعات المشكلة لهذه الظاهرة من مبادئ وقيم وتصورات ، تقول أنها تستمد روحها ونسغها من المرجعية الدينية حسب فهمهم وتمثلهم لهذه المرجعية من طبيعة الحال، الا أن ذلك قد يبدو غير ذي قيمة أو دلالة حينما يقتضي الأمر النزول بالثقل الكافي لإيجاد موطئ قدم في واقع سياسي غير قار ، ودائم التغير ، نكاد نقول أن الكل يغير فيه جلدته ، وبالتالي فأي محاولة منها من أجل التموقع في هذه البيئة السياسية ، يفرض الاستناد إلى أشكال وأساليب تساعد على هذا التموقع ، والتوسل بتعبيرات أخرى يمكن أن تتعارض أو تتضارب جملة وتفصيلا مع الأسس الأولى التي ينهض عليها التنظيم ، التي تعتبر المعين الذي يمتح منه ، و مهما تكن صلابة ومتانة الأرضية التي يتمسك بها ، لكن حينما يتعلق الأمر بالانتقال من مستوى الوجود الفكري والتنظيري إلى الممارسة السياسية والفعلية في الميدان ، فثمة معطيات ومحددات أخرى يجب الانصياع والامتثال لها ، وأخذها في الحسبان ، هي المنظمة لخيوط اللعبة السياسية التي يتم التوافق عليها سلفا بين جميع القوى السياسية في المجتمع التي تدخل هذه اللعبة بوجه مكشوف ، ولا نغالي إذا قلنا أن جل التنظيمات الإسلامية التي خرجت من رحم الحركة الإسلامية سواء في المغرب أو في باقي البلدان العربية سلكت هذا المسلك ، بعد مخاضات وتجاذبات كبيرة وكثيرة ومسارات شاقة ، سواء على المستوى الداخلي أي بين مكونات وأعضاء كل تنظيم على حدى ، أو على المستوى الخارجي ، أي مع الأنظمة الحاكمة من جهة ، أوحتى مع المنتظم الدولي ، الذي لا يمكن نفي تدخله وتأثيره في مصائر العديد منها ، وتبدو بصمته واضحة في هندسة وجودها وتحديد سقف ملائم ومحدود لطموحاتها،واقتنعت في النهاية أن لا مناص من الدخول إلى المجال السياسي في إطار من التوافق والتخلي التدريجي على الكثير من أفكارها الراديكالية وأهدافها التي ظهر بالملموس أنها صعبة التحقق،من قبيل قيام دولة إسلامية على منهاج الخلافة ، والحكم وفق الشريعة الإسلامية وما إلى ذلك،وفي الحقيقة لم تكن هذه التنظيمات لتحظى بكل هذه الأهمية والجلوس معها إلى طاولة الحوار لو لم تكن تجرُّ وراءها قاعدة جماهيرية كبيرة ، مؤطَّرة بإيديولوجية قوية تساعد على التعبئة وشحذ الهمم،وبالتالي أصبحت بفعل ذلك رقما صعبا في المعادلة السياسية و في المشهد السياسي العربي عامة،والمغربي خاصة ، وهذا واضح ويترجمه على سبيل المثال ، وصول حزب العدالة والتنمية بعد أحداث الربيع العربي إلى السلطة في المغرب وتصدره الانتخابات التشريعية لمرتين متتاليتين ،وكذلك مثيلها في بعض الدول العربية الأخرى إلى أن حدث ما حدث ،وما أعقب ذلك من انتكاسة وتراجع حكمته العديد من الظروف والمتغيرات ، وإذا كانت كل هذه التظيمات الإسلامية التي تحوَّل أغلبها إلى أحزاب سياسية عصرية تؤمن بالدستوروالقانون ، وتشتغل من داخل المؤسسات وتؤمن بالفكر الديمقراطي الذي ينهض على النسبية والتعددية والحرية ، الا أنه مع ذلك لا زال بعضها يغرد خارج السرب ، ويحلق بعيدا في غلوه وتطرفه ، ولا زالت تراوده أحلاما وهواجس ، لم تستطع تلك التنظيمات المعترف بها الوصول إليها رغم الكثير من الإمكانات التي كانت تتوفر عليها ، في الوقت الذي لا زالت هي متشبتة بها تشبثا أعمى والمقصود هنا هو ما بات يطلق عليه المراقبون والمحللون بإسلامي الظل ، وهي تيارات تنشط في المغرب بدرجات متفاوتة، نذكر منها في هذا المقام تيار الهجرة والتكفير ،تيار السلفية الجهادية، وأخيرا التيار الشيعي ، ونحن آثرنا حصر اللائحة في هذه التنظيمات الثلاثة لأنها هي التي تزعج النظام والنظام منها براء ، وتهدد أمن المواطنين وسلامتهم،وحصر اللائحة في هذا الثلاثي لا يعني أن ليس هناك تيارات أخرى ذات توجه متطرف ولها هي الأخرى أجندة وأهداف خاصة ، ورغم بعض الاختلافات الجوهرية التي يمكن أن يلمسها المتصفح والمتتبع لأدبيات وأفكار هذه الجماعات ، الا أنه يجدها تتقاطع في الكثير من الأمور ، أهمها على الإطلاق هو رفضها التام للتوجه الديني الرسمي الذي تتبناه الدولة ، الذي يبدو في نظرها بعيدا عن الدين الحقيقي ، وهذا واضح في الأسس الفكرية والإيديولوجية التي تعتمد وتستند إليها ، والتي تبني عليها قناعاتها واعتقاداتها ، فجماعة الهجرة والتكفير مثلا تجعل كما في المشرق كتاب معالم في الطريق ” “للسيد قطب المرجع الأساسي لأفكارها ومبادئها إلى حد تسميته من طرف أحد الدارسين بإنجيل تنظيم الهجرة والتكفير ، الذي يعتبر المجتمعات الحالية مجتمعات جاهلية ، وبالتالي لا بد من اعتزالها ، فليس هناك مجال لتعدد الأحكام على الناس ، فإما الإسلام أو الجاهلية ، وإما حكم الإسلام أو حكم الجاهلية ، وانسجاما منهم مع رؤية المجتمع باعتباره مجتمعا جاهليا ، فهم لا يصلون في المساجد ماداموا يعتقدون أن الإمام كافر ، وكذلك لا يتزاوجون الا فيما بينهم ، إلى غير ذلك من الأفكار التي تؤمن بها هذه الجماعة ، والتي لا يتسع المجال لسردها كلها، أما فيما يتعلق بتيارالسلفية الجهادية ، فهذا التيار أفرزته كما هو معلوم عوامل دولية ، منها بالخصوص الاحتلال السوفياتي لأفغانستان ، وحرب الخليج الثانية ،هذه الحروب التي شارك فيها عدد مهم من العرب ومنهم مغاربة ، الذين اختمرت في ذهنيتهم فكرة نقل تجربة العمل المسلح إلى بلدانهم ، خاصة بعدما أبدى مردوديته في هزم ثاني أكبر قوة عالمية آنذاك ، ولقد تأثر جيل جديد في المغرب بهذه السلفية ولم يخفوا دعوتهم إلى الجهاد ضد الولايات المتحدة الأمريكية ، وضرب مصالحها في دول أخرى تعتبرحليفة لها ، ونصرة من يقاتلها كالقاعدة مثلا،أما بخصوص التيار الشيعي فيبدو أنه يحمل في تجاويفه خصائص متفردة ويتحرك في إطار يختلف تماما عن التيارات السالفة الذكر ، ذلك أن حضور الشيعة في المغرب يجرُّ وراءه تاريخا عميقا ووجودها في المغرب كان منذ الأدارسة مرورا بالموحدين ، إلى حدود اليوم ، لكن بأشكال مختلفة تأخذ طابعا غير رسمي تجد صداها وامتدادها في الأوساط الثقافية والطلابية ، وقد ساهمت في ذلك أولا الزيارات المتكررة لمجموعة من الطلبة لدولة إيران وانبهارهم بالنجاح الذي عرفته الثورة الإسلامية هناك بزعامة الخميني سنة 1979 ، وثانيا توصل العديد من المغاربة من ذوي الميول الشيعي بكتب من هذه الدولة تروج للفكر الشيعي ، في إطار ما يسمى بتصدير الثورة إلى الخارج ، وهذا معروف في الأدبيات السياسية ، والمثير للانتباه حقيقة هو أن الوجود الشيعي في المغرب يتعدى مجرد الاقتناع بالأفكار والامتثال السلوكي لتعاليم شيعية على مستوى الحياة اليومية مغلفة بمبدأ التقية، ومن بينها الصلاة على الطريقة الشيعية ، وأيضا زواج المتعة وقس على ذلك ، هذه جملة أو خلاصة لأهم المنطلقات الفكرية والخلفيات الإيديولوجية التي تدافع عنها هذه التيارات ، ولا أعتقد أن الدولة تستهين بها أو لا تحملها على محمل الجد ، فمن المؤكد أن الدولة حريصة أشد ما يكون الحرص على عدم المساس بالأمن الديني والروحي للمغاربة من أي جهة كانت ، والدولة لها من الإمكانات والأدوات ما يجعلها تؤمن الحقل الديني من أي خطر قد يداهمه في أي لحظة ، خاصة وأنها تجرعت مرارة تراخيها في وقت من الأوقات وعدم التعامل بالصرامة اللازمة مع بعض التنظيمات ، الا أن وقعت أحداث 16 ماي 2003 المشؤومة، ومن ثم أصبح للدولة تصور وتعامل آخر مع الحقل الديني وكل من ينشط بداخله، ولعل تفكيكها المستمر للعديد من الخلايا الإرهابية على مدى العقدين الأخيرين لدليل واضح أولا على أن التنظيمات الارهابية سواء التي تنتمي إلى هذه التنظيمات التي ذكرناها أو غيرها لا زالت حية وتنتعش ولا زالت لم تمت نهائيا ، وثانيا ، يقظة الدولة بكل أجهزتها في محاصرة كل هؤلاء الذين تراودهم نية تخريب البلاد وترويع المواطنين ، صحيح أن الدولة المغربية كانت في السابق تتعامل مع هذه التيارات كحالات منفردة ومعزولة في مدن وجامعات مغربية ، لكن تأسيسا على الطفرة النوعية التي عرفتها هاته التيارات في السنوات الأخيرة والحركة التوسعية التي ما فتئت تشهدها وامتداداتها في البنيات الاجتماعية والثقافية للمجتمع والأخاديد العميقة التي حفرتها في المعتقد الرسمي المغربي ، كل ذلك جعل الدولة تغير من استراتيجية التعامل معها للحد من هذا الامتداد وهذا التغلغل ، ولم لا استئصالها من الجذور وبشكل خاص تلك التي لها نزعات تكفيرية وتدميرية وتخريبية .

لما ظهرت الحركة الإسلامية إلى الوجود أطلق عليها أنصارها اسم الصحوة الإسلامية ، لكن يبدو أن هذه الصحوة تعيش زمن الكبوات ، وإلى حدود اليوم لم تستطع بلورة مشروعها الفكري والديني على أرض الواقع كما تتمناه وتخطط له ، وذلك راجع إلى عوامل عديدة ، لا يتسع المجال لذكرها ، على كل حال أخفقت في ترجمة كل طموحاتها على أرض الواقع ،ومهما كان المرء متشبعا بقيم الفكرالحر و التسامح والحرية ، فإنه يرفض كل مذهب أو توجه يثير الفتنة في المجتمع أو يثير نعرات أو حساسيات لا تخدم مصلحة الأمة ، الغارقة هي نفسها في أزمات وإشكالات سياسية واقتصادية واجتماعية خانقة ، نعم التعدد الديني قيمة مضافة للمجتمعات الديموقراطية، أو التي تسير على دربها على الأقل ، والانفتاح على بعض الاتجاهات أو المذاهب الدينية لتغذية الحقل الديني الرسمي أمر مندوب ربما لتأمين الحاجيات الدينية والسياسية للمجتمع والاستجابة لبعض تطلعاته الدينية ، إضافة إلى ما قد يمثله ذلك من إغناء للساحة الدينية على مستوى التجربة والثقافة والفكر الإسلامي ، لكن في نفس الوقت يجب أن يتم ذلك وفق قواعد وطرق مضبوطة حتى لا يتم السقوط في الفوضى الدينية ، وبالتالي تجاوز المقومات الأساسية التي ينبني عليه المشروع الديني للدولة .

وصفوة القول ، فإنه على الرغم من أن الخطاب الديني الرسمي في المغرب ، يسعى لرسم صورة تبدو فيها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية باسطة يديها على كافة تمفصلات وتعبيرات الحقل الديني ، الا أن محاولة الاستكناه الأولى تكشف أن الساحة الدينية فيه حبلى بحركات وتيارات سرية وباطنية تتحرك مدافعة وداعية إلى مذهبها واصطياد أتباع لها ، ولعل ما يعضد هذا الكلام هو وجود بعض الداعشيين بيننا الذين يناصرون أمراء في الشرق ، لا يعرفون شيئا غير سفك الدماء ، وتحقيق أجندات خاصة وهذا حديث آخر.

Loading

Share
  • Link copied