المثقف لا يحتاج الى تكريم بل الى الاحترام

ثقافة التكريم لغة إنسانية هادفة وقيمة تحفز على البدل والعطاء  وهي كذلك التفاتة حضارية مميزة تمارسها التجمعات الإنسانية الواعية والفاهمة تجاه المثقفين والأدباء والشعراء والفنانين والرياضيين و السياسيين الذين ساهموا في إثراء النقاش و تطور وازدهار الوطن.

إن ثقافة التكريم أشبه بصناعة لوحة جميلة و خالدة لإبراز الإنجازات والإسهامات الجليلة والتضحيات الجسام التي قام المحتفى بهم  في سبيل التقدم والازدهار وشعورهم بعظم المسؤولية تجاه الواقع الذين يعيشون فيه وسعوا بكل الوسائل الى المبادرة و التضحية في سبيل الاصلاح وتقويم الاعوجاج.

إن تكريس ثقافة التكريم في مدينة الخميسات ومحاولات اعتبارها تقليدا لا يمكن تحقيقه في الوقت الراهن على الاقل لان الحقل الثقافي اصبح في قبضة المرتزقة والشحاذين الغرباء على الساحة الثقافية الذين يعملون على البرنقة والتملق دون أي سقف أخلاقي ومحركهم الاساسي خدمة الاطماع الشخصية باستغلال فراغ الساحة من الرجالات القادرين على رفع البطاقة الحمراء في وجه الميوعة والابتذال والابتسار، لان الثقافة تستغل تجاريا وغالبا يتم تكريم البيادق والجهلة والدخلاء ويتم إهمال من يستحق التكريم فعلا لأنه يعري السلطة ويكشف الاستغلال البشع لمقدرات الشعب ويضحي في سبيل الحرية والعدالة الاجتماعية، ان هذه الجمعيات القزمة تعيد تدوير نفس الصور ومضغ نفس الأسطوانات المشروخة ليستمر تدفق العليق ويبقى الحقل الثقافي رهين لعقليات ابتسارية تمارس التسول عبر تنظيم لقاءات وحفلات بدون قيمة والمستفيد الوحيد هم هؤلاء المشرفين على الانشطة الباهتة.

غالبا ما تصلني دعوات لحضور هذه الندوة أو تلك أو حفل توقيع كتاب لبعض الاسماء التي اعتز بكتاباتها لانها تشعل الشموع وسط الظلمة وتفجر ينابيع الابداع رغم الاكراهات لان الكتابة والنشر تعد مغامرة في وطن يستبخس الفعل الثقافي ويحارب المثقفين مما اوجد الفراغ وطبيعي ان تتسل الفئران وتعبث في تراكم ثقافي وابداعي قوي وتستغله في الترقي الاجتماعي وممارسة التجارة ،فالحفل او النشاط الثقافي  المنظم  غالبا  تكون من ورائه  نفس الجمعيات المتمرسة  والمجتهدة في ممارسة التسول والارتزاق علانية لان المكاتب المسيرة اغلب المنتمين فيها عاطلين عن العمل  لا استجيب لسبب بسيط أن هذه الفرقعات تأتي دائما في سياق المنافسة بين مجموعات للسيطرة على الساحة الاسترزاقية لان الغالبية العظمى من هؤلاء لا تربطهم بالمشهد الثقافي أية علاقة إلا ما رحم ربك.

فالتكريم في الفهم العام  تحفيز المكرم على المزيد من البدل والعطاء في شتى حقول العلم والمعرفة والإبداع ، بمعنى وضع المكرمين في مكانة لائقة تعكس المنجزات القيمة وهذا له دلالة عميقة معبرة عن المستوى الثقافي الراقي الذي وصل إليه أفراد المجتمع في التعاطي مع المثقفين ويحفظ لهم التقدير في الذاكرة الجماعية.

ان التكريم في المدينة المبتذلة ينحصر في الغالب على عينة معينة من الاسماء ويغلب عليه طابع الاكثار من  المديح والثناء المبالغ فيهما حد السفه مما يفقد الفعل الإنساني قيمته ورمزيته ويصبح ثقافة استهلاكية تمارسها الجمعيات الارتزاقية بحثا عن تسويق الصور وطرق الأبواب للحصول على الدعم ويستمر المسلسل وحين يقع الشرخ بين اعضاء المكتب تفرخ جمعيات أخرى منافسة ويتعرى المسكوت عنه. ويصبح التكريم وسيلة للتنافس والتباري للحفاظ على الموارد والتقرب والتزلف من السلطات المتحكمة في القرار الاداري لنيل العطف والرضا.

وفي سياق اخر تحول التكريم إلى مناسبة أكيدة لنشر ثقافة المجاملات والنفاق عبر تكريم نفس الأسماء اكثر من مرة دون البحث في خلفياتها والمصيبة ان يسبغ على الجهلة صفة ( الأستاذ الباحث) لمجرد وقع بالعطف على كتاب الفه غيره ودفع ثما لذلك وهذا يهدم فعليا ثقافة التكريم من الأساس ويحوله إلى سلعة خاضعة للعرض والطلب حتى هؤلاء المثقفين المحترمين الذين ينخرطون في مهازل التكريم لا يستحقون أي احترام لأن الوعاء المنظم يساوي بين الذين يبدعون والذين لا يبدعون أي فاقدي الإبداع وغير المؤهلين أصلا للإبداع.

ان المبدع اللوذعي في المدينة المتقيحة عليه ان يترفع عن المشاركة في مهازل التكريم المنظمة من المتطاولين على الابداع وتجار الفعل الثقافي حتى يعاد للتكريم قيمته المادية والمعنوية والإنسانية والحضارية في انتظار  ذلك ما على المتسولين بالفعل الثقافي سوى الاستمرار الى ان ينضب الخزان وتظهر في سماء المدينة كوكبة اخرى من المدعين وظهور لفيف اخر من المتهافتين على الظهور وقنص بعض الهدايا الرخيصة.

Loading

Share
  • Link copied