المجتمع المدني لا يمكن أن يكون بديلا عن الدولة والأحزاب السياسية .

تتعرض الأحزاب السياسية في المغرب في الآونة الأخيرة لحملة انتقادات واسعة من طرف العديد من المختصين والمحللين ،وكذا من شريحة واسعة من المواطنين والمهتمين الذين تستهويهم السياسة والمفتونين بسحرها، وهذه الانتقادات تتراوح بين ما هو موضوعي رصين ومقبول ،وبين ما هو بعيد كل البعد عن الأدبيات النقدية المعروفة، و رغم درجة الحدة الواضحة على مستوى هذه الانتقادات ، لكن يبقى القاسم المشترك بينهما ،هو اتهامها لهذه الأحزاب بالركود والجمود والإنغلاق وعدم تجديد الدماء، وأيضا عدم القدرة على تطوير وتجديد نفسها لمواكبة التحولات التاريخية التي تحدث من حولها سواء على الصعيد المحلي او الكوني ، ونظرا لكون هذه الأحزاب في اعتقاد هؤلاء المنتقدين لم تعد تضطلع بكل الأدوار المنوطة بها والتي يكفلها لها الدستور ، أصبحت وكأنها تشكل عبئا حقيقيا على الدولة وعلى المجتمع ،وبالتالي صار لزاما الإستغناء عنها والبحث عن بدائل لها ، وما هذا البديل في تصورهم سوى المجتمع المدني ،والاشتغال من داخله ومن المساحات المتاحة فيه،هكذا تتصور هذه الفئة من المنتقدين الأحزاب السياسية ،وهكذا تطرح بديلا لها بكل هذه البساطة ، وكأن عملية استبدال هذا بذاك هو الكفيل بإيجاد أجوبة حقيقية لكل هذه المشاكل والمعضلات التي ينوء بحملها المجتمع، خاصة إذا وضعنا نصب أعيننا نوعية وطبيعة المجتمع المدني الذي ينشط في المجتمع المغربي ، وهل هو نفسه له من الإمكانيات والمقومات التي تؤهله ليكون قادرا على تعويض هذه الأحزاب السياسية المعطوبة أو المريضة ، مع العلم أنه لا زالت تحفه التباسات كثيرة ، وبشكل خاص حينما يتوهم أنه بديل عن الدولة والأحزاب السياسية؟

وإذا كنا نتفق في جانب كبير مع كل تلك الانتقادات التي توجه للأحزاب السياسية في المغرب والموضوعية منها بالتحديد، لأنها أولا فيها ما يستوجب هذا النقد ،نظرا حقيقة للوضعية التي باتت عليها اليوم ،المتسمة بنوع من الارتداد والانحباس الاجتماعي وفقدان لكثير من مصداقيتها وتوهجها ،وثانيا باعتبار النقد هو روح العمل السياسي الحزبي والأكسجين الذي يتنفسه ،فلا شك أن غياب النقد يكرس أوضاعا سياسية شاذة ، ويفرز سلوكات سياسية خطيرة كالتسلط والاستبداد، الشيء الذي يعتبر خطرا على الممارسة السياسية برمتها ويعود بها إلى العهود الغابرة ، وبذلك يمكن أن نجهز على بعض المكتسبات السياسية على قلتها التي تم تحقيقها بشق الأنفس ،ولم يتم الظفر بها الا بعد تقديم تضحيات كبيرة طوال سنوات وعقود من النضال والكفاح السياسين من طرف جميع القوى الحية في هذه البلاد، لكن في نفس الوقت هذا لا يعني إعدامها وإزاحتها من المشهد السياسي أو التخلي عنها لهيآت أو تنظيمات أخرى كيفما كان نوعها ،أو الاستعاضة عنها بأي شيء آخر ، من الصعب جدا تصور دولة بدون أحزاب سياسية أو نخبة سياسية تقودها وتتحمل المسؤولية وتحاسب على حصيلتها ديموقراطيا، فالأحزاب في كل الأعراف السياسية المتعارف عليها عالميا هي المنجم الذي ينتج البرامج والتصورات والمشاريع السياسية والاقتصادية التي تخدم مصلحة البلاد والعباد ،قد تكون الأحزاب ضعيفة ، وتغيب فيها الممارسة الديموقراطية الحقة ، أو عاجزة عن استقطاب شباب أو نخب حقيقية لتقوية هياكلها وما إلى ذلك ،كل هذا يمكن أن يتفهمه المرء، لكن دون أن يعتبر ذلك مبررا أو مسوغا للبحث عن بدائل لها، خاصة وأن هذا الخطاب الداعي إلى هذا الطرح خطاب غير مؤسس على مقومات موضوعية وتاريخية وينطوي على شيء من التسرع والعمومية ، وتبرز ضحالة هذا التوجه وتهافته حينما يريد أ ن يكون المجتمع المدني بالتحديد هو هذا البديل دون سواه كما أشرنا إلى ذلك سالفا، فالسؤال الذي يطرح في هذا السياق أولا وقبل كل شيء وهو بمثابة رد على هؤلاء المتحمسين للمجتمع المدني ،هل هناك مجتمع مدني في المغرب ، أم ما نلحظه اليوم من دينامية جمعوية هو اقرب إلى تعبير وصفي آخر؟ ماهي أدوار المجتمع المدني وما هي حدودها؟ هل هدفه مشاطرة الدولة والأحزاب في تحمل الأعباء أم خلق قوة مضادة لها؟

إذا انطلقنا من التعريف البراغماتي لمؤتمر شتوتغارت بألمانيا، فلا شك أن المجتمع المدني موجود على المستوى الكمي والكيفي ، فالنسيج الجمعوي تطور بشكل مضطرد وملفت في العقدين الأخيرين ،ولكن إذا أخذنا المجتمع المدني كإطار عام يغذي الممارسة السياسية ، ويفرزمن تعدد بنياته المعالم الأساسية التي تحدد المسار السياسي ككل ، سنجد المغرب لا زال في بداية هذا المسار ، فالمجتمع المدني موجود كواقع ميداني يعلن عن نفسه من خلال أطياف متنوعة من الجمعيات ، لكن ذلك يتم في إطار الكثير من الالتباسات ن واشكال كثيرة من الغموض ، تنصب أولا على المفهوم كمفهوم ،سواء في إطاره التاريخي، أو النظري الفلسفي ، ومن خلال المفهوم و الدور الذي يمكن ان يلعبه المجتمع المدني في السيرورة السياسية والاقتصادية ، ولا غرو أن أولى أشكال الغموض تكمن في خلق تناقض حتمي بين الدولة والمجتمع المدني الذي يقدم نفسه أنه دينامي متحرر ، في مواجهة دولة جامدة ،وهذا التقاطب يعكسه خطاب ساذج وخطير ، أما الشكل الثاني فيتجلى في كون أن أغلب الفاعلين يظنون أن المجتمع المدني له صلاحية على الصالح العام ،في حين أن المجتمع المدني ، لا في محدداته ، ولا في مكوناته وآفاقه وبعده التاريخي ، ولا في تعريفه الفلسفي ، لا يمكن أن يعبر عن الصالح العام ،فهو يعبر عن مصالح خاصة ومختصة أحيانا كثيرة، فالانتاج الفكري المتطور لعصر الأنوار ومن هيغل إلى ماركس يتمحور حول أن الدولة هي التي تعبر بطريقة احتكارية عن الصالح العام ، لأن هذا الأخير اختيار سياسي يحاسب عليه سياسيا عن طريق تداول السلطة ، وليس من باب الغلو في شيء اعتبار أن هذا الغموض الكبير الحاصل في تصور الناس للمجتمع المدني ن حيث يصبح كما يقول المفكر المغربي محمد الطوزيفي أحدى حواراته مع جريدة العمل الديموقراطي” :”موضة قائمة على وجوب ذبح الدولة لتنمية المجتمع، وهو نوع من الإغراء يتوهم أن كلما استغنينا عن الدولة كلما سارت الأمور بشكل أفضل.” والواقع يفترض تصحيح هذه النظرة على أساس أن المجتمع المدني ضروري للتعبير عن المصالح الخاصة والجزئية،لأن الصالح العام بطبيعته يتجاوز المصالح الجزئية الضيقة، والمجتمع المدني هنا بمثابة دور المنبه لهذه المصالح الجزئية لا أقل ولا أكثر، وما إن كان المجتمع المدني يقاسم الدولة تحمل الأعباء المجتمع في شتى المجالات أم يروم خلق قوة مضادة للسياسي تكبح جماح اندفاعه نحو تعديل نموذج الدولة القائم، فنعتقد أن مثل هذه الأفكار تتشح بشيء من المبالغة، وليس في الميدان ما يشير إلى أن مثل هذه الطموحات قابلة للتحقق ، وحتى إذا أخذنا الوضع العالمي سنجد أن الأمر يتعلق بموجة عالمية،فالإحصائيات تشير إلى أن الجمعيات الفرنسية تشغل عشرات الآلاف من الفرنسيين ،ولم نسمع يوما شيئا عن حديث يدور حول تجاوز الدولة ومؤسساتها، بل كل ذلك في إطارعمل تشاركي بينها وبين الدولة، ولا مراء أن هذا هو النهج الذي يريد المغرب أن يسلكه والسعي إلى بلورته على أرض الواقع، حيث نرى في هذه السنوات الأخيرة جنوح السلطة في المغرب على إشراك المجتمع المدني صراحة أو ضمنيا في العديد من السياسات او القرارات ، والعملية بمجملها إيجابية ومهمة، لكن دائما دون ان ينظرإلى ذلك من زاوية تحجيم الدولة أو السياسي ، وهذا الفهم الخاطئ يجب أن ينمحي ، وأن يزول من أذهان البعض، فالمطلوب والأجدى هو خلق علاقة صحية تكاملية بين ضرورة التعبير عن مصالح خاصة جزئية ، وتعميق وتعديل هذه المواقع التي يتكلم فيها الناس عن مصالحهم بطريقة منظمة وصاخبة مع إصلاح دور السياسي المؤسس للدولة في إطارها العام كتصور سياسي يحاسب سياسيا وإدارة تعمل في إطار هذا التوجه السياسي.

Loading

Share
  • Link copied