هناك شبه إجماع اليوم على أن الوضع الثقافي في المغرب يعيش أزمة حقيقية وآليات العمل فيه معطوبة وتعاني مثبِّطات وعوائق كثيرة ،أفرزت واقعا ثقافيا لا يشرِّف بلدا كالمغرب ،المشهود له منذ أمد بعيد بتوهجه الفكري وإشعاعه الثقافي وثرائه إنتاجاته في مختلف ضروب الإبداع ،الشيء الذي جعله ينتزع لنفسه مكانة هامة ومتميزة على الخريطة الثقافية العربية بصفة عامة ، وحتى على الصعيد العالمي ،أصبح الإبداع المغربي معروفا ،وبدأ يحجز لنفسه بفعل العديد من إبداعات المغاربة الكبار مكانا في المشهد الثقافي العالمي، لقد وقف المغرب نظيرا وندًّا لا يشق له غبار للثقافة المشرقية التي كانت هي المكتسحة للساحة العربية والمهيمنة عليه ردحا من الزمن لا يمكن الإستهانة به،حتى أمست هذه الهيمنة تشكل عقدة لبعض من أبناء جلدتنا ، وبهذا الزخم الفكري والثقافي الذي عرفه المغرب أضحت تلك المعادلة المختلة بينه وبين المشرق متوازنة إلى حدٍّ كبير ، إذا لم نقل أن هناك من المشرق من سقط في حب وعشق الإبداع المغربي ،ولم يعد قادر على تخليص نفسه منه باعتباره اكتشاف جديد يحمل خصوصيات مختلفة ومتفردة ،وفي حقيقة الأمر لم يكن المغرب ليَبْصُم على هذا المستوى ويصل إلى هذه الدرجة من التقدير والاحترام من طرف المشرق وغيره، لولا وجود كتَّاب عظام برعوا في مجالات الكتابة المختلفة في الفكر والفلسفة والأدب والتاريخ وما إلى ذلك من حقول الإبداع والابتكار الكثيرة والمتعددة ، التي بلغ فيها المغرب شأوا بعيدا ذات زمن ولَّى، ومع تعاقب السنين اعتقد الجميع أن هذه التراكمات وهذه الحركية والدينامية ستتبلور أكثر وستُحصِّن المشهد الثقافي المغربي وستزيد به إلى الأمام كمًّا وكيْفًا، وستحميه من أي اهتزاز أو تصدُّع أوانتكاسة يمكن أن تزعزع بنيانه ، لكن ما كانت الخشية منه هو الذي حصل، ووقع ما لم يكن في الحسبان، اليوم نشاهد واقع ثقافي مأزوم وبئيس لا يسرُّ أحد، واقع ساهم في تشكيل معالمه الكثير من الظروف والمعطيات والملابسات ، والمسؤولية في ما آلت إليه الأوضاع من دون شك تتقاسمها أطراف عديدة، تبدأ من المثقف المغربي نفسه كيفما كان اهتمامه الفكري أو الأدبي ،وتنتهي بالمجتمع برمته مرورا بسلسلة طويلة ذات حلقات مترابطة ومعقدة سنكشف النقاب عنها تباعا في هذه الورقة، والتي يتفق الجميع أن المثقف يتبوَّأ فيها مكانة مركزية ومحورية.
من نافلة القول أن تدهور الحياة الثقافية في المغرب وحالة الاحتباس التي بلغت إليها اليوم تعودان إلى عدة أسباب ، يمكن تلخيصها في النقاط التالية، أهمها وأخطرها على الإطلاق هو هذا التحول الذي حدث في المجتمع الذي أصبح يزدرئ كل ماهو ثقافي ويعتبر مهمة الكتابة نافلة لا يمكن أن تضيف شيئا لواقع مأزوم أصلا على جميع المستويات، وهذا التحول المجتمعي الذي نتحدث عنه ، والذي أصبح فيه الفرد لا يعير أي اهتمام للثقافة ويعتبرها شيئا ثانويا في حياته لم يأت من فراغ ، بل جاءت نتيجة انتشار ثقافة أخرى ساهمت فيها هذه الثورة التكنولوجية والمعلوماتية التي اكتسحت ليس المغرب وحسب، بل حتى العالم ، وأصبح الفرد فيها غارق في التفاهة والسخافة والسفاسف، والتسطيح كما يتحدث عنه الكاتب والباحث الفرنسي المعروف” أوليفيه روا” في كتابه ” تسطيح العالم ،أزمة الثقافة وسطوة القواعد والمعايير“، وبالتالي يصبح المرء أسير ما تنتجه قوى الرداءة من محتوى ومضمون ،إلى درجة أنه أصبح يجد ضالته فيهما لساعات طوال ، هذا ناهيك عن التردي الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي يعرفه البلد ، مما يجعل الفرد مهتم أكثر في تأمين لقمة عيشه أكثر من أي نشاط آخر ثقافي كان أوسياسي أو غيره وإن كان هذا المبرر فيه نقاش وكلام ! صحيح وبنسبة كبيرة أن تطور المشهد الثقافي في أي بلد لا يمكن أن يكون بمعزل عن تطور المجالات الحيوية الأخرى ، الا في بعض الاستثناءات التي لا يمكن القياس عليها، وإذا جاز أن نلتمس العذر للمجتمع أمام هذه التحديات والإكراهات التي يعيشها، لكن الإشكال أو المشكلة هو أن شظايا هذا النوع من التفكير وصلت حتى إلى المثقف نفسه ،و أصابته العدوى ، مما جعل العديد منهم يحس بالإحباط ، وتدفعهم إلى طرح أسئلة حارقة ومقلقة من قبيل ، لمن أكتب ؟ ولماذا أكتب ؟ وبماذا تفيد كتاباتي ؟هي أسئلة من الجائز طرحها لأنها تُعبِّر عن قلق وعن أزمة مستحكمة، وأن ثمة حالة اجتماعية أو ثقافية ،تحتاج إلى من يميط عنها اللثام ،ويلتفت إليها لتشخيص المرض ومحاولة اجتراح الحلول ،أومحاولة إرجاع الأمور إلى طبيعتها وإلى نصابها، أما وأن يكون ذلك سببًا لهجرة الكتابة من طرف المثقفين وترك الحبل على الغارب ،و المجتمع غارق في همومه ومشاكله دون بوصلة ثقافية يمكن أن توصله إلى برِّ الأمان، فما أعتقد أن هذا مقبولا ، فهذا استسلام غير مبرر يمكن أن تكون تكلفته غالية ،وفيه مسؤولية أخلاقية واعتبارية كبيرة ، لأن المثقف دائما وأبدا يبقى دوره هو المساهمة في تثقيف مجتمعه، وتبديد منسوب الجهل فيه قدر الإمكان ، في أفق أن يتحول هذا المجتمع من مجتمع أمي أو جاهل إلى مجتمع قارئ. وواع ، والمثقف له من الأدوات والأساليب والإمكانيات ما يجعله يدنو شيئا فشيئا إلى المجتمع بكل أطيافه على أمل أن ينسج معه علاقة تجعله ينجذب إلى القراءة والثقافة بشكل من الإشكال، نحن لا ننفي أن الواقع لا يرتفع وثمة العديد من المعيقات في طىريق تحقيق هذه العلاقة ، لكن لا مندوحة في الإنخراط فيها، دون استعجال النتائج، فهذا مشروع أو ورش كبير مفتوح على الزمن ولا يقاس باللحظة أو بالظرفية، فلا مجال لليأس أو التردد في ذلك إذن، ثم من جهة أخرى ما هو الدور الذي تقوم به الجامعة في المغرب اليوم في الحقل الثقافي ؟ وهل الجامعيون يقومون بالأدوار المنوطة بهم وبواجبهم الثقافي لتأهيل المشهد الثقافي فيه ،أم فاقد الشيء لا يعطيه؟ لا نبالغ إذا قلنا أن الجامعة المغربية راهنا لم تعد تسهم في الإشعاع الثقافي في المغرب ،فهذه الجامعة بالكاد تؤدي دورها التعليمي وتمكين الطلبة بتكوين في المستوى المطلوب ،في ظل نظام تعليمي غير مستقر ، فكل مرة يشهد هذا النظام الجامعي إصلاحات وترقيعات تعيد للأسف الشديد نفس الإنتاج ونفس الصورة ونفس المستوى الذي تقدمه الأنماط التعليمية التقليدية المتخلى عنها بسبب أوبدونه، والنتيجة في المحصلة ،جحافل من الطلبة “ببغائيين “يعيدون نفس الخطاب المدبًَج في كرارسهم، الذي سرعان ما يتلاشى ويذهب أدراج الرياح مع نهاية كل موسم ، ليلتحقوا بعد تخرُّجهم أمام البرلمان مدشنين عهدا جديدا مع البطالة والاحتجاجات إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا ،فبطالة الخريجين لا تجعلنا نقتنع أن الجامعة المغربية لم تقم بأدوارها التعليمية الضامنة لدخول سوق الشغل من بابه الواسع وحسب وإنما لم تؤد أيضا دورها التثقيفي المنتظر منها وهذه هو جوهر الإشكال ، ولا أحد يريد الخوض فيه ،ثم أيضا ما هو دور وزارة الثقافة في المغرب ؟ وهل المغرب في حاجة إليها؟ نحن لا يمكن أن ننكر الدور الذي لعبته هذه الوزارة غداة الاستقلال، لأنها اعتبرت في ذلك الإبان ذلك الإطار الرسمي أو الوعاء الذي احتضن الهَمَّ الثقافي المغربي والفضاء الأرحب الذي تنصهر فيه جميع التيارات والأطياف الثقافية في المجتمع وتتعايش فيما بينها ، وتقوم بتدعيمها حتى يشتد عودها باعتبارها هي الوجه الذي يمثل البلد ثقافيا أمام الأمم الأخرى، ذلك المشهد المتشرذم والمشتت الذي خرج لتوه من رعونة وعبثية الاستعمار ، فكان لزاما تنظيم هذا المشهد أو هذا الحقل وهيكلته حتى يعكس الاختلاف الثقافي المغربي في صورته وهويته الحقيقية في انسجام وتناغم تامين، لكن مع مرور الوقت وإلى اليوم يبدو أن هذه الوزارة أمسى لها تصور آخر للثقافة غير الذي تحدثنا عنه، اليوم وزارة الثقافة تبدو وكأنها محنَّطة تشرف على المتاحف والآثار، وتنظيم المهرجانات، وما إلى ذلك، لم تعد تحدوها تلك الرغبة الحقيقية لتنمية الحقل الثقافي المغربي ،فتحولت بذلك من تلك الوزارة التي من المفروض فيها صياغة سياسية ثقافية أو مشاريع ثقافية تخدم مصلحة البلاد ووضع استراتيجية ثقافية له ، ينعكس أثرها إيجابا على المجتمع الذي بات مرتعا للممارسات وسلوكات انحرافية تعكس فقرا مذقعا على مستوى الثقافي والوعي ،ونحن ندرك الدور الذي يمكن أن تقوم به الثقافة في تهذيب السلوكات وتقوية الوازع التربوي والأخلاقي في المجتمع ،وذلك بإشراك الباحثين والمتخصصين والمفكرين ، الذين لهم دراية في تشخيص أعطاب وأمراض المجتمع ومحاولة السيطرة عليها ، بهذه الصورة التي ترسمها وزارة الثقافة في المغرب عن نفسها ، تظهر وكأنها وزارة تقنية تدبّر المرافق التابعة لها وبعض المؤسسات التي تدخل تحت إشرافها ومسؤوليتنا بشكل روتيني، في الوقت الذي لا يجب أن ينحصر دورها في ذلك وحسب ، بل لا بد أن يكون لها امتداد في بنية المجتمع ومحاولة تأهيله ثقافيا وفق تصور عميق له وبناءا على برامج هادفة وذات مردودية على مستوى تنمية الوعي الاجتماعي بكل تمفصلاته وبكل تجلياته، وإذا لم تضطلع هذه الوزارة بهذه الوظائف وهذه المسؤوليات فأعتقد أنه يمكن الاستغناء عنها ولا مجال لوجودها ، لأن الحاجة إليها انتفت ،خاصة وأننا نعلم أن العديد من دول العالم قد تخلت عن مثل هذه الوزارات من منطلق أن الثقافة مجال لا يمكن تقييده، ولا يجب أن يكون تابع لأي جهة كانت ، لأنه مجال للتعبير وإبداء الأفكار والرأي والإبداع ، وهو يرمز للحرية والكرامة والديمقراطية الحقيقية بمفهومها الواسع ، ثم ماهو دور ” اتحاد كتَّاب المغرب” الغارق هذه الأيام في المشاكل إلى النخاع ؟ أين هي أمجاد هذا الإطار الثقافي ومواقفه الصلبة والمشرِّفة التي خلقت من أجلها ، والتي كانت سببا في كثرة المشاكل والاصطدامات مع السلطة ،والأجهزة الحكومية ؟ لقد بات من الضروري أن يعود هذا الاتحاد إلى وضعه الطبيعي وتجاوز الخلافاتت النابعة من بعض الحسابات الضيقة ،وطغيان الحزبية والانتماء السياسي والإيديولوجي ، مما جعله يفقد إشعاعه وبريقه ، وحلت محلهما الاتهامات والتحرشات المتبادلة وكثر اللغط على حساب العمل الميداني، والإبداع والبحث الرصينين ، ولم يعد يساير اهتمامات وانشغالات المجتمع الثقافية، مما يستلزم معه تغيير الجلد ، وتجاوز كل تلك الصعاب وهذه الأزمة الحقيقية التي يمر منها ، التي أضعفته وجعلته وعاءا فارغا أجوفا ، فهذا الاتحاد الذي يعتبر من المؤسسات الثقافية السامية ، والذي جاء لتحقيق وبلورة رهانات ثقافية يطمح إليها المجتمع ،وهو بمثابة القاطرة التي تجرُّه ثقافيا، انحرف عن مساره للأسف الشديد، وأمسى غارقا في الاختلافات وغابت المشاريع الثقافية ،ولم يعد يؤدي وظائفه المنوطة به على المستوى المطلوب ، والحديث يطول في هذا المقام، وبخصوص الصحافة والإعلام السمعي البصري، وهنا مربط الفرس ، فمساهمتها في تبئيس الشأن الثقافي في المغرب وتحقيره واضحة لا تخطئها العين ، وهي أخطر من سابقاتها ، فالكل يعلم الدور الممكن أن تلعبه وسائل الإعلام بمختلف أشكالها في تثقيف وتوعية المجتمع ، لكن العكس هو الذي يحصل ، فبالرغم من أنها إستفادت موارد مهمة من الدولة ومن دافعي الضرائب ومن هذه التطورات التكنولوجية على مستوى الطباعة والشكل فإن مضامينها ومحتوياتها تعرف تأخرا كبيرا عن الإيقاع الذي يسير به المجتمع ، فكم عدد البرامج الثقافية التي تبث على القنوات التلفزية المغربية على مدار الساعة ؟ من المخجل جدا أن نقول العدد ، حتى وبعدما تم استحداث قناة خاصة بالثقافة ، فهي لا تحمل منها الا الإسم ،لكونها غير قادرة على إنتاج وإعداد برامج ثقافية جادة يمكن أن تجلب انتباه الفرد .
يتساءل الكثيرون ،لماذا تعثر المشروع الديموقراطي المغربي ، ولم يستطع مبارحة مكانه منذ سنوات خلت رغم المجهودات التي تبذل في هذا السياق ، والسبب يعود من دون شك في عدم مشاركة الطبقة المثقفة فيه وعدم تبنِّيها له ،فإذا لم يقد المثقفون الحركة الديموقراطية الحقيقية في البلاد فمن الصعوبة بمكان أن تقوم له قائمة بواسطة باقي القوى الاجتماعية والسياسية التي وجدت الساحة فارغة في فرض توجهاتها وبرامجها أغلبها يخدم مصالحها لكن لا تخدم الديموقراطية في شيء، وحتى الأحزاب السياسية في المغرب لا تعطي الأهمية اللازمة للشأن الثقافي ، وأغلبها لا تتوفر على برنامج ثقافي ، يهم الحزب أولا ،ثم يمكن أن يستقيد منه المجتمع برمته ، فيبدو أن الهَمَّ الثقافي آخر ما تفكر فيه هذه الأحزاب، فكيف يمكن أن تؤسس هذه الأحزاب الديموقراطية وهي تغيِّب البعد الثقافي في أدبياتها وبرامجها ومشاريعها السياسية ؟ فعلى كل وسائل الإعلام بمختلف تلاوينها أن تعمد على بلورة سياسة ثقافية هادفة ورصينة تدفع المثقفين للخروج من قوقعتهم التي يتحصنون فيها ، ومن فرديتهم وانتمائيتهم ،حتى يقوموا بمسؤولياتهم كاملة للنهوض بالثقافة في أفق إرساء دعائم المجتمع الديموقراطي المنشود ،كما صار من الضروري على كل المشرفين على كل وسائل الإعلام الوطنية الكف عن استبلاد الإنسان المغربي ، وأن يحترموا ذكاءه وميولاته ، لقد بات الإنسان المغربي بسبب كل ما تقدمه هذه الوسائل يعاني نمطية قاتلة ومن تعذيب يومي مقصود ، خلق لديه انفصاما، وازدواجية في شخصيته جعلته يعيش في عالمين مختلفين ،عالم افتراضي وهمي لا يمت بصلة إلى واقعه، وعالم واقعي كله معاناة وألم . إن ما يريده الإنسان المغربي هو برامج ليست ثقافية وحسب وإنما برامج تهم مختلف مناحي الحياة قريبة منه ،وتستجيب لحاجياته ومتطلباته المعرفية والثقافية والنفسية ، وتخاطب عقله ووجدانه وترسخ فيه مبادئ وقيم المواطنة والهوية والشعور بالانتماء إلى بلده، حتى نستطيع ان نصنع منه فردا صالحا يمتلك رؤية وأفق للحياة و قناعة فكرية أو سياسية يدافع عنها ويضحي من أجلها.
تلكم بعض الأسباب الجوهرية التي نخالها هي المسهمة بقدر كبير في هذا الاستنقاع الذي يعرفه المشهد الثقافي المغربي ، والذي يظهر أن المسؤوليات فيه مشتركة، فهل من مبادرات حقيقية لحلحلة هذا الوضع ،أم أن الأزمة ستعمِّر كثيرا والتكلفة ستكون باهظة …؟
![]()
