لا يمكن أن نتحدث عن الحداثة والفكر الحداثي في المغرب دون الإتيان على ذكر إسم المفكر الكبير “محمد سبيلا“،من طبيعة الحال هناك مفكرين حداثيين آخرين لا يقلُّون أهمية عنه،لكن الفرق يكمن في طبيعة المسار الذي سلكه كل مفكر للتعرف على هذه الحداثة ودرجة التأثر بها ،فمسار “عبد الله العروي” الذي يعتبر من رواد الفكر الحداثي في المغرب ،في فهم وتمثُّل الحداثة الغربية ليس هو نفسه الذي سلكه ” الجابري” أو “عبد الإله بلقزيز” ،أو ” محمد سبيلا” الذي يهمنا في هذا المقام ،قد تكون هنالك تقاطعات وبعض القواسم المشتركة بينهم على مستوى الفهم والاستيعاب،لكن في ذات الوقت قد تجد بينهم اختلافات عميقة جوهرية على مستوى الاكتشاف ودرجة الإقتناع وشكل التعامل وطرق وآليات التطبيق وما إلى ذلك ،إذاً على مستوى الفكر الذي أنتج هذه الحداثة ومصدره والفلاسفة الذين كانوا وراءها ،لا إشكال بين كل مفكري الحداثة بدون استثناء في ذلك ،ليبقى الاختلاف كما أسلفنا الذكر هو حول المسار الذي نسجه كل مفكر في تعاطيه مع هذا المفهوم الذي يحمل بين طياته تعقيدات كثيرة ومفتوح على تأويلات وأبعاد ودلالات كثيرة، وبالتحديد كيف اهتدى ” محمد سبيلا” إلى هذا المفهوم؟ وما الذي جعله يسقط بين أحضانه بشكل يعطي الانطباع وكأن هذا المفكر قد وجد ضالته في هذا المفهوم دون غيره،وينذر له وقتا كبيرا، ويِفْرِدُ له مؤلفات قيِّمة،حتى أصبح اسمه مرتبط بالحداثة ولا شيء غيرها، إلى حد أضحى يُطلق عليه “مدرسة الحداثة في المغرب“؟
الذين يعرفون ” محمد سبيلا” و مساره الفكري،سواءا في بداياته الأولى ،أو حتى مع تبلور تجربته الفكرية مع مرور السنوات ،لم تكن اهتماماته تخرج عن إطار الفلسفة تدريسا ودراسة بكل تفرُّعاتها وتشعُّباتها، حتى أسس لنفسه مسارا فكريا وفلسفيا متميزا يرقى إلى مستوى” التوجه الفكري“،الذي ترسّخ لديه بفضل تأثُّره بالفيلسوف الفرنسي “بول ريكور“،هذا الفيلسوف الذي لعب دورا محوريا في فتح أعينه على الكثير من الأمور الفلسفية التي كانت خافية عنه من قبيل أن التأمل ليس تأملا في الفلسفة وحسب ،وإنما هو تأمل في العلوم الاجتماعية أيضا،وأنه لم يعد بإمكان الفيلسوف أن يتفلسف خارج معطيات العلوم الانسانية ،وهذا ما دفع” سبيلا” إلى الاهتمام بالتحليل النفسي والأنتروبولوجيا ،قراءة وتدريسا وترجمة حتى تكتمل لديه كل أدوات هذا التأمل ،وبالتالي يمكن أن يؤدي وظيفته على الوجه الأمثل ،ومن جهة أخرى لم يسلم أيضا الدكتور” محمد سبيلا” من الانتماء الإيديولوجي، إلا أن هذا الانتماء لم يكن من منظور الانصياع أو الامتثال المفرط لنبض الإيديولوجية والركون إليها أو التعصب الأعمى لها ،كما حصل لدى الكثيرين من المثقفين أمثاله،بل كان الانتماء إليها والتفكير فيها نقديا ،هذا التفكير النقدي الذي في نظره نزع القدسية عن السياسة ،التي تتضمن استراتيجيات فردية وجماعية مركَّبة لا تتطابق مُثُلُها وشعاراتها وصورتها مع الواقع،ولقد ساعده هذا التفكير النقدي المستلهم في مجمله من التحليل النفسي والماركسية وفلسفة “نتشه” على تفكيك آليات المنظور السياسي ،والبحث في آلياته الإيديولوجية وأشكاله الدوغمائية للكشف عن مظاهر المكر فيه،وما إلى ذلك.. كل هذا الذي ذكرناه يُمثل جزء بسيط وغيض من فيض حول تكوين الشخصية الفكرية” لمحمد سبيلا” وكيف تطوّرت وأخذت طريقها إلى الأوج والقمة ،وكيف ساعده هذا المسار إلى اكتشاف الحداثة ؟ولا شك أن المسألة لم تكن صدفة ،بقدر ما كانت نقطة التقاء للحظتين حاسمتين وبارزتين في مسار الرجل،أما الأولى فهي لحظة كانت تتميز بالتدحرج والتلمُّس سواء على مستوى الكتابة أو الترجمة،و الثانية ،هي لحظة “ارتياب فلسفي “يروم فهم الظاهرة التاريخية، حيث يعتبر ” سبيلا” أن مسار اندهاشه الفلسفي، بتعثراته و وتعرجاته هو مسار اكتشاف الحداثة والوعي بها وبلورتها فكريا ،وإن كان قد لامسها في اللحظتين السابقتين لكن مع الغياب الواضح للوعي بالأسس الفكرية والفلسفية التي تنبني عليه،وسيزداد عمق ارتباط “سبيلا” بالحداثة وسيتبلور المفهوم لديه تدريجيا أثناء اطلاعه الواسع واحتكاكه الكبير بفلسفة ” كانط” في البداية ثم “فيورباخ“انتهاءا “بهايدغر” و” هابرماس” وبشكل خاص كتابه ” الخطاب الفلسفي للحداثة” ،كل هذا الاحتكاك مع جهابذة الفكر الحداثي ساعد ” سبيلا” بشكل كبير على فتح نافذة على فكر الحداثة ،وولَّد لديه وعي به،وأصبح بالتالي يسري فيه مسرى الدم،ولم يدرس ” سبيلا” الحداثة دراسة المتعلم الشغوف الذي يستأثر به الفضول لاكتشاف عوالم فكرية مختلفة وحسب ،بل ما يميّزه في هذا الصدد عن نظرائه هو أنه درسها من منظور المحلل والمفكك وقد نجازف ونقول من منظور المنتقد،إلى درجة أن الدكتور ناقش هذه الحداثة في نشأتها ومَواطِنِها الأصلية وكشف الفروقات والتباينات الحاصلة بينها من موطن إلى آخر ،وهكذا مثلا فرَّق بين ظهور الحداثة في” ألمانيا” وظروف الولادة التي لم تكن تشبه مثيلتها في” فرنسا“،إذ اهتم الفلاسفة الألمان بالحداثة، وبمشروعيتها الفكرية، وجذورها التاريخية ،وعلاقتها بالتقليد والمقدس،وإيقاعها الزمني ،وتقاطعاتها وآثارها،مما يدل على أن الحداثة الألمانية جاءت انسجاما مع التأخر الذي عرفته “ألمانيا” قياسا مع “فرنسا“.
ورغم أن الدكتور ” سبيلا” أشفى غليله في الحداثة ،وصال وجال في فكرها وتاريخها ، وأحاط بكل صغيرة وكبيرة تخصها في رحلة فكرية دامت لعقود، حتى أمسى من كبار المنظرين المغاربة لها،لكن مع ذلك يشبه ” سبيلا“الغوص في فكر الحداثة “بالمتاهة الكبرى“،ذلك أنه يصعب على المنتمي إلى ثقافة أخرى ،الإلمام التام بشمولية التشخيص الفكري والتاريخي لهذا المفهوم ،كما لا يُخفي في النهاية الدكتور ” سبيلا” تأثُّره الكبير في هذا السياق بالفلسفة الألمانية ويصفها ” بالشموخ الفكري الكبير” ، دون أن يعني ذلك انتقاص من نظيرتها الفرنسية ،ولعل شغف ” سبيلا” ب” ديكارت” وقراءاته له خير دليل على ما نزعم، فقط تنفرد الأولى عن الثانية لكون أن الفلاسفة الألمان كانت لهم القدرة ،من منظوره على ربط الحداثة بالكينونة ،وهنا يكمن جوهر اختلافها عن باقي المجتمعات الحداثية الأوروبية الأخرى التي فشلت في هذا الأمر ،وبرزت إلى الوجود تداعيات ذلك ،الشيء الذي أدى إلى إعادة التفكير في الحداثة وإعادة تصحيح العديد من المفاهيم التي تهم أسسها ومرتكزاتها لديهم…
![]()
