في الوقت الذي كانت فيه الرواية العربية المشرقية بداية من منتصف القرن الماضي إلى بدايات القرن الحالي تعيش أزهى أيامها، وازدهارا كبيرا ،حيث روايات “نجيب محفوظ “مثلا تتواتر تباعا ،بانسيابية منقطعة النظير ،ممهدة له الطريق في اتجاه “جائزة نوبل“،ونفس الشيء مع بعض الروائيين الكبار الذين جايلوه أمثال،” يوسف السباعي ،إحسان عبد القدوس ،صنع الله ابراهيم ،حنا مينة ،وآخرين “،الذين أبدعوا في هذا الجنس الأدبي وغيره ،ممن قد لا يوجد الزمن بمثلهم، وبعدها بقليل ستشق الرواية المغربية هي الأخرى طريقها ولو بشكل متأخر نوعا ما عن نظيرتها المشرقية وبهوية مختلفة ،وستلتحق بأختها المشرقية مُشكِّلة معها فسيفساء جميلا أغنى وأثرى الأدب العربي عامة،وأمسى له بذلك صيت عالمي، ومكانة محترمة في سلم الإبداع الكوني ،وكان من الصعب جدا أن تجد هناك حديثا حول أزمة أو شيء من هذا القبيل ،الا أن في المقابل ،وفي هذا الزمن الذي نتحدث عنه و بالذات ستينيات القرن العشرين كان هناك حديث كبير يدور حول أزمة الرواية الغربية ،بل هناك من يذهب بعيدا ويترقَّب موتها ،في مقابل صعود أسهم أجناس أدبية أخرى كالمسرح مثلا باعتباره جنس أدبي قادر على التقاط عقدة المجتمعات المعاصرة وتصدُّعاتها الروحية ،ولعل من بين الأصوات الأوائل التي تقول بأزمة الرواية الغربية نجد الكاتب والناقد الفرنسي” آلان روب جرييه“، الذين أعلنها صراحة وبدون أدنى تردد في إحدى المؤتمرات الأدبية بموسكو حيث قال أن الرواية الغربية تَمُرُّ من أزمة حقيقية ساهمت فيها عوامل و ظروف عديدة ومختلفة ،والتي لخَّصها في كون أن الرواية الغربية قد استنفذت كل موضوعاتها، ولم يعد هنالك مجال للروائي سوى الشكل،الذي من مظاهره الإفراط في الوصف في دقة وإسهاب تبعث على الملل إلى درجة أن كثرة التفاصيل غير الهامة تُحَيِّر القارئ في المعنى الذي يرمي إليه الكاتب، الشيء الذي يجعل في اعتقاده مسألة التجديد بهذا الخصوص أمرا مُلِحًّا و ضروريا، ويخص بالذكر في هذا السياق الرواية الفرنسية بالتحديد ،ومن مظاهر هذه الأزمة وهذه المرة من منظار مخالف ،من منظار الكاتب العربي ” نجيب محفوظ” الذي رفض أولا الحديث عن ” أزمة بصيغة الجمع” ويرفض تعميمها، على الغرب كله، وخصَّ بها بلدان دون غيرها ،فإذا كانت أزمة الرواية مستحكمة في ” فرنسا أو ألمانيا أوإيطاليا أوإنجلترا” مثلا، فهي ليست كذلك في “الاتحاد السوفياتي“، كدولة أوروبية ،أو بعض دول آسيا أيضا” كالهند والصين ” ،وثانيا: يعزي ” نجيب محفوظ” بعض أسباب أزمة الرواية الغربية ،بكونها تأثرت سلبا بواقع انهيار القيم وإفلاسها، والانفصال عن الواقع،وهي ترجمة لجفاف منابع الإيمان في هذه المجتمعات ،مما يعني أن االرواية الغربية أصبحت غير قادرة على استيعاب القلق الانساني والمجتمعي الخاص بها ،وكذلك هذا التحول العميق الذي حصل في بنية المجتمع الغربي وفي دواخله ،مما ينبئ بنهاية الحضارة الغربية ،لأن الحضارة التي لم تعد تملك فلسفة حياة وعقيدة إنسانية ،فإن خطر الانهيار أو الزوال يهددها دائما،فالمسألة عند ” نجيب محفوظ” مرتبطة بشكل كبير بأزمة قيم ،وغياب فلسفة حياة وعقيدة ،وليس شيء آخر، وهذه أمور قليلا ما يتحدث عنها النقاد الغربيون،بل تجدهم يتحدثون أو يحصرون فقط الأزمة في الموضوعات، ويعتبرون كما أسلفنا الذكر ،أن الرواية الغربية تشكو من أزمة موضوعات،أي استنفذتها كلها، ولم يعد هنالك منها ما يثير الاهتمام ،والتي يمكن أن تشكل نواة صلبة لمنتوج إبداعي روائي متميز ومتفرد، مما يدفع إلى اجترار نفس الموضوعات بطرق وتخييلات مختلفة ،وهذا أمر “لنجيب محفوظ” رأي مغاير فيه ،ولا يعتبره عنصرا من عناصر الأزمة، صحيح أن الرواية الغربية طرقت جميع الميادين ،التي يمكن أن يتصورها الإنسان ،تناولت الفرد والمجتمع والأسرة ،وتناولت الشوارع والمدن ،بل والقارات ككل،لتصعد إلى الكواكب ،وما من عاطفة بشرية إلا وكانت موضوعا مكررا للرواية لفترات طويلة ،وأن الرواية حقيقة كانت مجالا ومتنفسا فنيا ،قادرا على صياغة الرؤى والأشواق والطموحات ،هذا الواقع الذي أسس لأزمة الرواية ،وجعل جهود الروائيين تتركَّز على الشكل ،لا يمكن في رأيه،أن نأخذ منه حجة ندفن بها الرواية،وإلا” كنا مطالبين بأن ندفن بها الأدب كله ،بل وجميع الفنون الأخرى” ،بحكم أنها تناولت كل المواضيع الممكنة ،إن ماله اعتبار ،في هذا السياق بالنسبة ” لنجيب محفوظ” هو الفنان،باعتبار كثافته كانسان وعصر وحضارة ،تسمح له بالتعبير عن وجهة نظر جيل في “موضوعات ثابتة في جميع الأزمان“. من هنا ،فالحكم على الفن في رأي “نجيب محفوظ“، لا يرتبط بجدَّته وإنما بالوظيفة التي يؤديها في ” تعميق الحياة وإثرائها بالتجربة“،وبما يحققه من ” متعة وفائدة “،تنهضان كمعيار نظر في ضوئه إلى التراث الفني للإنسانية كلها.وبناءا على كل هذا يبدو أن الموضوع لا يحظى عند” نجيب محفوظ” ،بذلك القدر من الأهمية الذي يجعله أساس أزمة الرواية الغربية المعاصرة ،لأن الموضوع أصلا في الرواية،ليس هو نقل حرفي لتفاصيله وأجزائه ،بل يجب إخضاعه للغة الفن والمعالجة حتى يتحول إلى مرتبة الفن ،فلا قيمة للموضوعات خارج الصياغة الفنية ،وخارج ـ وهذا هو الأهم ـ،منظومة القيم التي تؤطرها ،والتي بدونها تغرق الرواية في مناخ عدمي يحيلها إلى لعبة شكلانية خالصة.
يتضح جليا أن ” نجيب محفوظ” قد وضع الأصبع على الداء الذي تشكو منه الرواية الغربية ،ويبدو أنه لم يكن متحمسا من زاوية أخرى إلى فكرة ” موت الرواية” على اعتبار أنها هي القادرة على استيعاب جميع الأشكال الفنية السابقة عليها كالمسرح والملحمة والشعر ،بل إنها تستطيع أن تعرض مناقشات طويلة وعويصة ..مثل المناقشات التي دارت في رواية ” الجبل السحري“” لتوماس مان“،أو كالمناقشات التي عرضها ” بروست“في ” الزمن المفقود“،وهي مناقشات طويلة وخاصة في الفلسفة والفن ،من الممكن أن تجتزأ من الرواية لتصدر في كتب منفردة،كل هذا يدفعنا إلى القول أن الرواية ما دامت هي القادرة على الاضطلاع بكل هذه الأدوار،فإن ذلك يمثل شروطا موضوعية لبقائها وديمومتها ،ولا شيء يمكن أن يسلب منها هذه الأدوار أوأن يأخذ منها هذا المشعل
![]()
