ليس كل قتل يرى بالعين المجردة، وليس كل نزف يترك دما على الاسفلت و يتطلب الضمادات وورق الكلينيكس وتدخلات جراحية وادوية ومسكنات ومهدئات. هناك نوع آخر اقوى من القتل أكثر خفاء وأشد قسوة وايلاما، قتل فتاك لا يستعمل السكين ولا الرصاص ولا العصا ولا الحجارة، بل يعتمد الإهانة والتشويه والتحقير والنفي والتنمر والخذلان. إنه القتل الرمزي للإنسان الذي يشق طريقا خاصا ويتبنى اسلوبا وفكرا مغايرا ليشعر بالراحة والحرية ، الفعل الخبيث والذنيئ الذي يطفئ روح وحماس الإنسان وهو ما يزال يمشي بين الناس.
قد ينجو الجسد من الطعنات ويترك ندوبا واثارا، لكن الروح في كثير من الاحيان لا تنجو من كلمة مهينة، أو سخرية متكررة، أو حملة تشويه تسلب فيها كرامة الإنسان أمام الآخرين مما يصيب بالاكتئاب ومحاولات الانتحار حين تكون الروح هشة والشخصية ضعيفة لم تواجه الصعاب والمحن القادرة على ترويض الفكر والروح على المقاومة والوقوف في وجه الرياح بثبات.
فالإنسان كما نعلم جميعا لا يعيش بالخبز ، بل يعيش أيضا بالاعتراف والاحترام والشعور بقيمته داخل المجتمع. وحين يجرد من القيمة الانسانية، يبدأ في الانكماش الداخلي ويدخل في فترة الانهيار الصامت. فالقتل الرمزي يحدث حين يتحول الحوار إلى محكمة، والاختلاف إلى إعدام معنوي. يحدث عندما يحاصر الإنسان بالشائعات، أو يختزل في خطأ، أو يعامل كأنه بلا قيمة. وهذه الافعال المنافية لروح الانسانية يمارسها أفراد، وقد تمارسه جماعات ومؤسسات ومنصات رقمية تتقن صناعة الإهانة الجماعية تحت غطاء ومبررات الرأي أو الحرية المزعومة.
إن الطعنات الجسدية تؤلم لحظة تترك ندوبا، لكن الطعنات النفسية قد تبقى سنوات مخزنة في العقل الباطني. فكم من شخص فقد ثقته بنفسه بسبب تحقير مستمر، وكم من موهبة انطفأت لأن أصحابها تعرضوا للسخرية بدل التشجيع والمواكبة، وكم من إنسان عاش غريبا داخل نفسه لأن المجتمع مارس عليه قسوة صامتة لا يراها أحد.
الأخطر في القتل الرمزي أنه غالبا يرتكب بلا شعور بالذنب. فالبعض يعتقد أن الكلمات العابرة لا تؤذي، وأن السخرية مجرد مزاح، وأن التشهير نوع من الانتصار لقضية ما او سلوك عفوي. لكن الحقيقة أن الكلمة قد تبني إنسانا وقد تهدمه في لحظات، وقد تمنحه معنى للحياة أو تدفعه إلى العزلة والانكسار.
لقد أصبح العالم الحديث أكثر قدرة على ممارسة هذا النوع من العنف اليومي على الاشخاص. ففي الفضاء الرقمي، يمكن لجملة واحدة أو تعليق ساخر وقبيح أن يتحول إلى محاكمة جماعية تحاصر الإنسان في صورته وسمعته وكرامته. وهكذا صار كثيرون يتقنون فن الطعن المعنوي أكثر من إتقانهم فن الحوار المبني على الاحترام.
فالمجتمعات المتحضرة لا تقاس فقط بما تبنيه من طرق ومبان، بل أيضا بطريقة تعاملها مع الإنسان المختلف أو الضعيف أو المخطئ او المدفوع بفعل الظروف الصعبة الى ارتكاب الاخطاء. فالكرامة الإنسانية ليست ترفا أخلاقيا ، بل شرط أساسي لصحة المجتمع. وحين يصبح الإذلال لغة يومية، يتحول الناس إلى كائنات خائفة، متوجسة، فاقدة للثقة في المحيط القريب والبعيد.
نحتاج اليوم اكثر من اي وقت مضى إلى ثقافة تعيد الاعتبار للكلمة الطيبة، وللنقد الإنساني، وللاختلاف المحترم. فليس المطلوب أن نتفق دائما ونكون نسخا كربونية، بل أن نختلف دون أن نذبح ونجرح بعضنا معنويا. لأن الإنسان قد يشفى من جرح الجسد، لكنه قد لا يشفى أبدا من جرح الكرامة.
خلاصة الكلام : قد تكون الطعنات مؤلمة، لكن القتل الرمزي أشد فتكا وايلاما، لأنه يقتل الإنسان ببطء شديد… ويتركه
![]()

تعليقات ( 0 )