نحو صيغة علمية دقيقة لإعادة كتابة التاريخ المغربي

.لطالما كان مطلب إعادة كتابة التاريخ المغربي مطلبا مُلِحًّا ليس من طرف ثلَّة من المؤرخين المغاربة وأساتذة التاريخ الأكاديميين وحسب ، وإنما حتى من طرف فئات اجتماعية وثقافية مختلفة ، ومن النخبة المثقفة بالخصوص ، بعدما تأكد أن هذه المادة التاريخية التي بين أيدينا وهذه السرديات التاريخية المتداولة ، جزء كبير منها لا يمثِّل الحقيقة ، وبعيد عنها بعدا كبيرا، فالتاريخ المغربي منذ القدم وهو يخضع لتحريفات كثيرة ، وفيه بياضات كثيرة ، وينطوي في تجاويفه على مغالطات لا حصر لها وعدد لا يستهان به من التلفيقات والأكاذيب والأراجيف التي لا زالت تهيمن على بعض كتب التاريخ من جهة وعلى بعض المقررات الدراسية في مستويات مختلفة من جهة أخرى، وهذا يكاد يتفق عليه الجميع و المسألة لم تعد خافية على أحد ، خاصة مع التطور العلمي والأركيولوجي والأسطغرافيا ، وعلم المخطوطات وما إلى ذلك ،كل هذه الأمور عرفت قفزات مهولة في العقود الأخيرة ، و أصبح معها إخفاء الحقيقة أو الالتفاف عليها أمرا مستحيلا ، ناهيك أيضا عن العديد من الأرشيفات التي أُفْرج عنها في العقود الأخيرة ، والتي كانت محتكرة من طرف جهات وقوى معينة ، أمست اليوم في مِلك الجميع ، هذا علاوة على تطور مناهج دراسة التاريخ التي أضحت تتيح إمكانيات كبيرة لمساءلته مساءلة علمية رصينة ، وجعل الوثيقة التاريخية وغيرها مادة طيعة بين أيدي المؤرخ ودارس التاريخ أو مهتم به أو الباحث فيه على السواء، كل هذه المتغيرات وهذه التحولات التي لحقت بهذا الحقل ، ومع ذلك لا زالت الطبقة المعنية أو الفترض فيها القيام بتصحيحه وتنقيته من الشوائب والسفاسف التي ترسَّخت في الوعي الجمعي وفي الأذهان ردحا من الزمن ، غير قادرة على الاقتراب منه ، وكأنها استسلمت لأمر الواقع ، واستأنست وألفت كل ما هو سائد الذي صار يظهر وكأنه حقيقة مطلقة لا يأتيها الشك أو الباطل من أي جانب ، وهذا ما يبدو غير مفهوم وغير واضح في هذا المطلب لأن الذين ينادون إليه ويثيرون حوله العديد من التساؤلات ، سواء من طرف أهل الاختصاص أو من البعيدين عنه ، لم يفعلوا شيئا لتحقيقه ، وهم يتحوَّزون ويمتلكون ناصية ذلك ، لأنهم بدون شك يعرفون خباياه، ولهم اطلاع واسع على العديد من التفاصيل المحيطة بهذه الإشكالية ، و لهم من الأدوات والوسائل ما يمكِّنهم في إنهاء هذا الجدل والحسم فيه نهائيا ، واختراق هذا الجدار السميك ، لكن يبدو أن ثمة عوائق ذاتية وأخرى ربما خارجة عن الإرادة تقف حائلا دون الخوض في هذه الأمور بالذات ، والأمر يبدو وكأنهم ينتظرون إشارات من جهة معينة ، أو أي شيء من هذا القبيل ، وأنا أعتقد أن المسألة لا يمكن أن ترقى إلى هذا المستوى ، يكفي أن يتسلَّح المؤرخون بالإرادة والعزيمة والرغبة الحقيقية في اقتحام هذا المجال ، سواء في إطار أكاديمي صرف ، في مختبرات علمية أو معاهد متخصصة لهذه الغاية ، تابعة للدولة ويكون العمل جماعيا ، وذلك دون خلفيات إيديولوجية أو نوايا مبيتة ، دراسات وأبحاث تكون فيها الأهداف واضحة لا تترك المجال للتأويل ، دون أن يستنفر ذلك جهة من الجهات أوطرف من الأطراف ،، أو أن نعتقد أنها هي المستهدفة وجعل المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، في إطار مشروع وطني شامل، وهذا لن يتأتى حقيقة الا إذا اقتنع الجميع بما فيها الدولة بأن التاريخ المغربي فعلا يحتاج إلى إعادة قراءة وإعادة كتابة وغريلة حقيقية دون أن يشكِّل لها ذلك عقدة أو أن تأخذ الأمور أبعادا أخرى غير البعد العلمي ، وأن تعتبر الأمر طبيعيا جدا يحصل في كثير من الدول الشعوب ، أو في إطار مبادرات فردية كما يفعل الكثيرون اليوم من المؤرخين الذي يبدو أنهم لهم من الجرأة ما لا يتوفر لغيرهم في هذا السياق في طرق هذا الباب بكل مسؤولية ووطنية ونية حسنة ، لكن للأسف لا زال هناك من لا يعجبهم كشف الحقائق ووضعها تحت الأضواء الكاشفة ، ويثير لديهم ذلك شكوك وحساسيات ، ربما المعني بالأمر لم يفكر فيها قط ولم تراوده بتاتا ، حينما دخل غمار هذه التجربة ، ومن المؤكد أن أمثال هؤلاء يتحمَّلون تبعات وتداعيات توجهاتهم ومغامراتهم هذه ، ويتعرضون للقصف والجلد ، على مدار اليوم ، ليس من أبناء الجلدة ، أهل التاريخ وحسب ، وإنما حتى من طرف شرائح أخرى لا يجمعها بالتاريخ الا الخير والإحسان ، وتعتبر ذلك تهديدا للثوابت واستهدافا للمقومات التي تنبني عليها الدولة من إسلام وعروبة وما شابه ذلك من هذا الكلام ، وذهبوا في ذلك مذهبا كبيرا ، والواقع كل هذا لا يعكس الحقيقة التي يرومه هؤلاء من تجربتهم نهائيا، لأن المسألة ضخِّمت أكثر من اللازم وأُعطيت لها أبعادا كبيرة لا تستحقها البتة ، كل ما هناك مبادرات عادية فردية تحتمل الصواب والخطأ، تخوض في مجال تخصصها وتجتهد قدر الإمكان في إظهار بعض الأمور التاريخية التي يبدو لها أنها غير سوية وغير سليمة ، وتحتاج إلى وقفات تأمل وإلى تصحيح لما لا ، خاصة إذا كانت تستدل في ذلك بأدلة علمية مقنعة و متينة ، فأين الضرر والضير في ذلك ؟ على العكس كان من الأجدر تشجيع هذه المبادرات ومنحها مساحات كبيرة للتعبير والنقد والتصحيح ، فهذا في صالح المجتمع بكل شرائحه الذي سئم من الأكاذيب ، ويبحث عن الحقيقة في كل مكان، سواء كانت تاريخية أو غيرها . وحتى الذي يريد تفنيد كل ما يقوله هؤلاء ، فلا أحد يُصادر. حقهم في ذلك ، يكفي مقارعة الحجة بالحجة والدليل بالدليل ، في إطار نقاش أو جدال علمي مسؤول و هادئ وهادف ، يكون المستفيد فيه أولا التاريخ المغربي كمكون من مكونات الهوية المغربية ، وكتجسيد لحضارتها العريقة ، وثانيا المتلقي الذي سيصبح مقتنعا بشفافية تاريخه ونزاهته ، عدا ذلك ، وبالابتعاد عن هذه المنهجية في الحوار والنقاش ، فهو فتح المجال أمام الفوضى وتبادل الاتهامات المجانية التي لا تليق بتاتا بالنخبة المثقفة بشكل خاص ، فما بالك بالطبقات الشعبية الأخرى التي وجدت في مختلف وسائل التواصل الاجتماعي للأسف الشديد ، فرصة مواتية لتصريف كل أشكال السباب والشتم على كل من يعارض أفكارهم ومعتقداتهم التي سكنت عقولهم طيلة زمن مضى ، وحينما يروا في أفكار ودعوات الآخر استفزازا من منظورهم لكثير من الاطروحات والمفاهيم والمضامين التاريخية التي أمست لديهم مسلمات لا تقبل التفكيك والنقد والخلخلة وإعادة النظر فيها ، ولنا في تجربة الدكتور عبد الخالق كلاب في هذا الخصوص خير دليل على ما نزعم ، صحيح أنه من الطبيعي أن يتعرَّض هؤلاء في سبيل ذلك للكثير من الصعوبات والمشاق ، لأن الأمر يتعلق بتاريخ أمة ، و الاقتراب منه يعتبره الكثيرون خطًّا أحمر ، و لا يؤمنوا بالمراجعات أو إعادة التدوير والتصحيح و ما إلى ذلك ، مما لا ينطبق مع الواقع ويخالف السياق ، أو في إطار جمعيات البحث التاريخي وما أكثرها في المغرب والتي تتحدث في كل شيء الا في موضوع إعادة كتابة التاريخ في المغرب ، أو حتى إذا تحدثت عنه في مناسبة من المناسبات تتحدث عنه بتحفُّظ شديد .

كل المهتمين بمسألة إعادة كتابة تاريخ المغرب بجد ودون مزايدات وهم قلائل ، ومن خلفية أن ذلك يندرج في صلب مهامهم ومسؤولياتهم التاريخية أمام أنفسهم وأمام المجتمع لا أقل ولا أكثر ، ينطلقون تقريبا من نفس المنطلق ، ومن نفس المرجعية ، وهو أن التاريخ المغربي في مجمله كُتب بمركزية إما غربية أو مشرقية ، وبناء عليه فكثير من متونه كانت تكتب خدمة لأغراض سياسية أو إيديولوجية معينة ، وليست هناك أمانة علمية خالصة في توثيق الأحداث وروايتها رواية سليمة ، وسرد الأحداث كما هي ، مما يعني انها لا تتوفر فيه الموضوعية والمصداقية التي تجعلها ترقى إلى مستوى الحقيقة أو أقرب إليها على الأقل ، وبالتالي هناك حلقات تاريخية مفقودة بدون شك ، وبياضات وخروم لا مندوحة من العودة إليها لرتق ما يمكن رتقه ونسج ما يمكن نسجه ، لكن هذه المرة من مركزية مغربية خالصة ، بمعنى الا أحد يجب أن يضطلع بهذه المهمة غير أهل البلد المؤهلين لذلك ، والا نعتبر ذلك خروجا عن الإجماع الوطني أو تغريدات خارج السرب ، فالمسألة يجب أن تبقى محصورة في إطارها العلمي والفكري والثقافي ولا تتعداه حفاظا على تطور مسار البحث في بلادنا الذي نريده أن يكون مسارا ذو حيوية ودينامية ، وأكثر نجاحا وتألقا ورقيا.

Loading

Share
  • Link copied
تعليقات ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (Number of characters left) .