الولايات المتحدة الأمريكية وسياسة الإخضاع غير الرحيمة

إذا كان من أمر أظهرته هذه الحرب التي تشنها الولايات الأمريكية وحليفتها الاستراتيجية إسرائيل على إيران، وأماطت عليه اللثام ولمن لا زالت تراوده بعض الشكوك في قوة وعظمة الولايات المتحدة بالتحديد ، في جميع المجالات فهو بدون شك ،هو أولا أن قيادة العالم في يد هذه القوة العظمى أمر لم يعد يحتاج إلى تفسير أو دليل ،أو بيان، وأن ليس هناك على وجه البسيطة أي قوة يمكن أن تقف في وجهها ، وأن خرافة الثنائية القطبية التي عششت في الكثير من العقول قد ولّت إلى غير رجعة ، وثانيا أن الهندسة السياسية لهذا البلد وطرق تعامله سواء مع الحلفاء أو الأعداء دقيقة ومضبوطه ومدروسة ومحسوبة، ولا تقبل الجدال وتنسج وفق آليات خطيرة لا مجال فيها للمساومة أو للعاطفة البتة ،مصلحته أولا وأخيرا ، فإذا كانت هناك دولة في العالم تسلتهم بشكل كبير المذهب البرغماتي بحذافيره و تعرف كيف تحافظ على مصالحها بأي طريقة من الطرق ،أو بأي شكل من الأشكال فهي الولايات المتحدة الأمريكية ،فتارة تستعمل الورقة الاقتصادية للضغط سواء على المنافسين أو الحلفاء ،وتارة تحرك النعرات وتدعم إحدى الفصائل المتناحرة ، وتارة تخلق مشاكل داخلية لدولة مناوئة لسياستها ،أو تدعم استقلال إقليم عن دولته الأم ، تايوانمثلا مع الصين ،من الصعب جدا ألا تجد بصمة هذه الدولة في كل مشاكل العالم كما في كل الحلول التي قد تضع حدا لبعض الصراعات الإقليمية مثلا قضية الصحراء المغربية ، أو الدولية مثل حرب روسيا وأوكرانيا، بل الأنكى من ذلك تجدها في مفارقة غربة ،تؤسس لمجلس سلم عالمي الذي يرمي إلى حل النزاعات في العالم ، وهي في ذات الوقت تشن حروبا ضارية على خصومها . وهنا تكمن القوة السياسية لهذا البلد ، وهذه الثنائية الخطيرة التي تتقنها هي التي تجعلها حاضرة في كل قضايا العالم ، ورابعا لغة التهديد والرغبة الجامحة في التوسع أو تغيير الأنظمة وإخضاعها سلمبا أو بأقل الخسائر كما في فينزويلا ، أوبالحديد والنار كما يحدث الآن في إيران ، إيران التي صمدت في وجه التهديدات الأمريكية منذ نجاح الثورة الخمينية سنة 1979 ، إلى اليوم ،طالما أن الحرب لم تضع أوزارها بعد ولم تكشف بعد عن كل أسرارها ، وبعد مسار طويل ومعقد من المفاوضات التي لم تفض إلى أي نتيجة ، وبعد العقوبات الخطيرة التي فرضت عليها على مدار ثلاثة عقود أوأكثر ، والتي أثرت سلبا على كل مناحي الحياة في هذا البلد، و على كل المجالات ، وبعد الكثير من القلاقل والفتن الداخلية والإضرابات والمظاهرات التي كان الرهان من ورائها هو زرع الفوضى في البلاد وإسقاط النظام الملالي بطريقة ناعمة ، وبعد كل الإغتيالات التي استهدفت شخصيات مهمة عسكرية ومدنية في حرب الاثنى عشر يوما الأخيرة ،وبعد قصف المحطات النووية وما إلى ذلك، لم تستسلم هذه الدولة رغم قوة وتداعيات كل هذه الضربات القاتلة، وظلت شامخة تقاوم وتكابر، وتتحدى بالسر والعلن جبروت وشطط الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ، وأعطت للعالم درسا بليغا في الصمود وعدم الانبطاح ،رغم الأزمة والحصار المضروب عليها من كل جانب ،الشيء الذي يدل على أن هذا البلد له قدرة خارقة على التعايش مع الأزمات واسترجاع الأنفاس وتدبير أموره وفق الإمكانيات المتاحة له، وهذا بالضبط ما جعل الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بعدما اقتنعتا أن كل تلك السبل التفاوضية والتهديدات الشفهية ،لم تفض إلى أي نتيجة تأخذان القرار الصعب وهو شن حرب شعواء مباشرة عليها في هذا الوقت بالذات،بعدما تأكدا أن الدولة باتت تعيش حالة إنهاك ، وعزلة دولية قاتلة، وأوراقها أصبحت مكشوفة نتيجة التغلغل الاستخباراتي الذي عرفته كل أجهزة الدولة تقريبا ،وتم اغتيال رموز الدولة وقياديها الكبار في مسعى لإرباك الدولة كلية من البداية لخلخلة موازين القوى، وزعزعة الاستقرار فيها في أفق تغيير النظام ، للحفاظ علي أمن إسرائيل في المنطقة وتحييد الخطر الذي يمكن أن يأتي منها كما كان الحال مع العراق في وقت سابق ، لقد تم توريط روسيا في حرب استنزاف مع اوكرانيا والذي يبدو أنها إلى اليوم غير قادرة من الخروج من هذا المستنقع الآسن بعد مرور أربع سنوات على الحرب ، ولا زالت تنتظر الوساطة الأمريكية في هذا الشأن، وهذا ما يفسر حيادها في هذه الحرب ، رغم أن حسب ما نعرف أن إيران حليفتها ،الصين لم تنبس ببنت شفة ، باستثناء ما يروج حول عقدها لصفقات عسكرية مع إيران لتزويدها بأسلحة متطورة من صواريخ وما إلى ذلك ، لكن كل ذلك لا يخفي توجسها من الرد الفعلي الأمريكي حيالها على ذلك ، كل هذا يجعل إيران تواجه مصيرها لوحدها ، أما باقي دول العالم فهي فقط تلعب دور المتفرج والمراقب والمترقب ،لأنها خاضعة للسياسة الأمريكية ، ولأن أيضا جلها إذا لم نقل كلها تكن عداء دائما لإيران ، جميع القوى العظمى التي يمكن أن تدعم إيران في هذه الحرب غارقة في مشاكلها الداخلية ، وحتى التي تعيش أزهى أيامها ،لا تستطيع التدخل المباشر ،كل ما تستطيع القيام به هو دعواتها لوقف الحرب حقنا للدماء ، والعودة إلى طاولة المفاوضات ، لكن يبدو أن الوقت قد فات على ذلك كما صرح الرئيس الأمريكي ،مما يعني أننا مقبلين على أيام أخرى عصيبة من الحرب ،حتى يتم تحقيق الأهداف المرجوة من ورائها ،فالولايات المتحدة تنظر الآن إلى ما بعد انتهاء الحرب ، وكيف سيكون الوضع،وحتى إذا أظهرت إيران جدية في رغبتها في المفاوضات، فمن دون شك ستكون وفق الشروط الأمريكية وهذا في حد ذاته هزيمة سياسية لإيران . لأن الهدف الحقيقي من هذه الحرب في النهاية هو إخضاع إيران للهيمنة الأمريكية ، واستئصال كل أنيابها ، وبالتالي لن تعد لها القدرة على أن تشكل خطرا ليس على إسرائيل وأمنها وحسب ،بل حتى على بعض الدول العربية المجاورة التي طالما رأت في إيران عدوا حقيقيا يجب تأقليم أظافره ،وتقزيم نفوذه وتوسعه في المنطقة.

يتفق جل المحللون أن هذه الحرب حرب مفصلية في تاريخ الحروب وفي تاريخ المنطقة،وكيفما كانت نتائجها فإنها ستتمخض عنها العديد من التبعات وألتطورات التي ستهم المنطقة ،إيران ستكون بلا ريب الخاسر الأكبر ،وأمريكا ستعيد من دون مواربة إعادة تشكيل خريطة المنطقة وتركيز نفوذها أكثر فيها بجوار آبار النفط الغنية .

Loading

Share
  • Link copied