لا يمكن البتة ونحن نتحدث عن كبار المفكرين العرب الذين بصموا تاريخ الفكر العربي سواء بمؤلفاتهم الغزيرة أو بطبيعة أفكارهم ومشاريعهم الفكرية المختلفة ، القفز عن اسم كبير في هذا الصدد ألا وهو المفكر الكبير” محمد أركون ” ، الذي يعتبر واحدا من القامات الفكرية التي أخضعت العقل والتراث الإسلاميين إلى معاول وأدوات الحفر والتفكيك ، وذلك في سياق تحديثهما ، ضمن مشروع فكري ضخم ، أثار الكثير من الانتقادات ، ليس في البلدان العربية والإسلامية وحسب ، بل حتى في بعض الدول الأوربية (يمكن أن نستحضرهنا المفكر الهولندي “رون هاليبر” على سبيل الذكر لا الحصر )الذي تحدث عن فكر أركون في أكثر من كتاب ، ولقد استقبلت أفكاره وأطروحاته بشكل نقدي لدى العديد من الدارسين والباحثين الذين وضعوا مؤلفاته وكتاباته تحت محهر النقاش والمساءلة والتشريح ، والحقيقة ما كان فكر هذا المفكر ليحظى بكل هذه الأهمية والمتابعة والدراسة ، لولا الأثر الذي تركه مشروعه البحثي في السيرورة التاريخية والفكرية العربية والإسلامية بشكل عام ، والقيمة الفكرية التي ينضح بها ، مما جعله يشد انتباه الدارسين والباحثين على السواء ، خاصة إذا وضعنا نصب أعيننا الكثير من الأمور و الأدوات التي وظفها أركون في مشروعه البحثي هذا ، من مفاهيم خاصة ، ومناهج حديثة ، المتعلقة بالألسنية والسيميائية ، والتأويل ، مع ما صاحبها من أفق واسع للتفكير ، ونقد ابستمولوجي وسوى ذلك . لم يضع أركون حدا يؤطر حقل عمله داخل التراث ، من جهة اعتباره أن كل ما قد انتجه العقل العربي الإسلامي شفهيا أو كتابيا ، فلسفيا أو دينيا ، يجب التوقف عنده ، والبحث في أسسه وجذوره ، مع الالتفات إلى الهامشي والمقصي وإلى المسكوت عنه ، وإلى اللامفكر فيه ، وراح يجترح آليات للتأويل ، مع تحديد مسافة التمييز ما بين الدائرة التأويلية أوالهيرمنوطيقية ، والحالة التأويلية . كما اتخذ “أركون” من المجاز آلية من آليات التأويل أيضا ، انطلاقا من اعتباره التأويل الوجه الآخر للمجاز ، ورأى بالاستناد إليه أن الخطاب القرءاني خطاب مجازي ، مع تشديده أن المجاز ليس مجرد زينة لغوية ، بل يمتلك بعدا ابستمولوجيا ، يفتح آفاق المعنى . إضافة إلى كشفه الاستخدامات المختلفة للمجاز ، وعلاقاتها بالمواقع الاجتماعية وإرادة الفاعلين الاجتماعيين . كما ميز ” أركون” بين المعنى وظلال المعنى ، وجعل من هذا التمييز المدخل إلى أشكلة المعنى من طريق التساؤل عن الآليات اللغوية التي تتحكم به ، ومن المهم تبيان مفاصل مشروع ” محمد أركون ” البحثي ، ونقده والإفادة منه ، بل والبناء على ما توصل إليه .
ولعل من أبرز الأفكار والأطروحات التي تناولها ” محمد أركون ” وقيض لها حيزا هاما في مشروعه الفكري ، هي –فضلا من طبيعة الحال عن قراءاته العميقة كما هو معروف للتراث الإسلامي من كل جوانبه تقريبا– ، هي حول الكيفية التي واجه بها العقل الإسلامي تراث عصر الأنوار الأوربي ، وفي هذا الإطار دعا المثقفين المسلمين إلى تجاوز فكر الأنوار بدمج الأسطورة ، بغية إنتاج عقلانيات جديدة ، الشيء الذي يقتضي من المثقفين النضال على جبهتين ، ضد التطرف الإسلامي ، وأيضا ضد الفكر الغربي المعادي للتقاليد ، كما يبرزه المستشرقون ، ولهذا نادى أركون المثقف المسلم إلى بذل جهد روحي وإلى اجتهاد داخلي ، لا يمكن الاستهانة به ، واستمر في متابعة مفصلة لمراحل هذا الجهاد الروحي ، الذي يجب أن يشنه المثقفون على الجهاد الذي يقوده الإسلاميون ، والذي يدينه أركون . ورغم أن محمد أركون يعد من أشد المدافعين عن العلمانية والحداثة الغربية ، بل وأكبر المنبهرين بها حتى النخاع ، وتحدث في هذا الأمر بشكل مستفيض في معظم كتاباته ، الا أنه في نفس الوقت يؤاخذ عليها إهمالها للبعد الغيبي فيها كمنظومة مرجعية ، كما شرح في سياقات أخرى نقص العلمنة في المجتمعات الإسلامية ، ويقدم أسبابا اقتصادية واجتماعية لذلك ، مثل غياب القوى المنتجة ، بل اعتبر أن أحد المآسي الكبرى التي تعاني منها المجتمعات الإسلامية تتمثل في الخلط بين الحقيقة الاجتماعية التي تبينها المطالب الجماهيرية ،وبين الحقيقة الخاصة بالرسالة الدينية التي يفسرها كل واحد على طريقته . هذا غيض من فيض من فكر أركون ومشروعه المتشعب ، الذي نذرله كل الوقت وكل الجهد ، وكما هو حال كل ما هو جديد ومخالف للمألوف والمعتاد ، لا بد من أن يثار حوله الكثير من النقاش والجدال ، وحتى الكثير من الانتقادات ، وهذا طبعا ما حدث مع إنتاجات أركون الفكرية ، من طرف جهات متعددة كما أسلفنا الذكر ، فبخصوص الفكرة التي تتحدث عن الكيفية التي واجه بها العقل الإسلامي تراث عصر الأنوار مثلا ، نجد العديد من النقاد ينتقدون مساهمات ومقاربات محمد أركون لهذا الموضوع بالذات ، وقراءاته للتراث الإسلامي ، ولفسحات ومساحات التلاقي ما بين المقدس والدنيوي ، وذلك بالاستناد إلى أطروحات وأفكار أبرز مفكري وفلاسفة الحداثة ، من أمثال ” ألان تورين ويورغن هابرماس وجيل دولوز وليفي شتراوس” وغيرهم . ومن جهة أخرى يرصد بعض النقاد نقاط ضعف المشروع الفكري الأركوني رغم قوته ، وأهمها على الإطلاق هي أن أركون لم يكن ينطلق من شعور بالانتماء إلى الفكر الإسلامي ، بل من دراسته له ، وفي مسألة الحداثة وما بعد الحداثة ، لم يستخدم أركون مفاهيمها ومقولاتها ، الا عندما تبدو له ضرورية في سياق توظيفها في مشروعه الخاص ، ولا يشعر أنه ملزم بالنتائج النهائية لتلك المفاهيم والمقولات ، ولا يهتم بتوافقها المتبادل ، إضافة إلى أنه لم يكترث بكيفية إيصالها إلى نهاياتها الفلسفية في الحقل التراثي العربي والإسلامي ، الذي كرس مشواره البحثي لدراسته ونقده .
وصفوة القول فإن محمد أركون ،شأنه في ذلك شأن الكثير من الفلاسفة والمفكرين كان يرتكز على أنه“جان جاك روسو ” العرب أو ” ابن رشد ” المعاصر في العالم الإسلامي ، لكن المفاجأة هي حين نجد بعض النقاد من يستكثر ون عليه هذ الاسم ، ويصفونه ” بالمستشرق المسلم ” كما يذهب إلى ذلك ” رون هاليبر” ،بالتحديد رغم أن معروف لدى جميع الباحثين أن أركون انتقد الاستشراق بشكل عنيف ، بل ونجد هذا الناقد يذهب بعيدا ويوثر إسقاط صفة المفكر عن أركون ويطلق عليه وصف “عالم إسلاميات ” ، مثلما نجد أن المفكر المغربي الكبير “محمد عابد الجابري ” قد قال يوما ، أن ما يقوله ويكتبه أركون ما هو الا ضرب من ضروب علم الكلام ، وليس كلاما أو خطابا فلسفيا ، الشيء الذي أثار غضب أركون ، واشتكى عدم إنصافه من الجابري أولا ، ثم من باقي المفكرين والنقاد العرب وغير الغرب .
![]()
