إمارة بورغواطة بالمغرب الأقصى

قراءة في كتاب إمارة بورغواطة بالمغرب الأقصى ..دراسة في البنيات الاقتصادية و الاجتماعية والذهنية من القرن الثامن الميلادي إلى القرن الثاني عشرللدكتور مولود عشاق ” 

لازال تاريخ إمارة بورغواطة في المغرب الأقصى يسيل الكثير من المداد ويثير اهتمام الباحثين والدارسين والمؤرخين على حد سواء، ولازالت الكتابات والأبحاث تتواتر تباعا حوله ، ورغم كل هذا الكم الهائل الذي كتب حول هذه الإمارة سواء من المتقدمين أو المتأخرين ، لكن يبدو أن تاريخ هذه الإمارة لم يبح بكل أسراره وتفاصيله وخباياه بعد ، باعتراف المتخصصين في التاريخ أنفسهم ، الذين يعتبرون أن تاريخ هذه الإمارة لا زال مطمورا في إسار الضياع والتهميش ، وجله مفقود ، ويحتاج إلى من يخرجه من عتمة الظل إلى دائرة الأضواء ، مما يجعل حقائق تاريخية عن هذه الإمارة تغيب عنا ، وكل ماهو موجود بين أيدينا من تاريخها لا يشكل إلا نسبة ضعيفة جدا من تاريخها الشامل ، ليس هذا وحسب بل هناك من يعتبر أن حتى هذا الموجود بيننا لا يعكس الحقيقة الكاملة في الكثير من أجزائه ، وكيفما كانت الأمور لازالت هناك إرادة حقيقية ورغبة جامحة تساور الكثير من الباحثين من أجل إعادة كتابة تاريخ هذه الإمارة وإعادة تشكيل خيوطه وفق قراءات واجتهادات جديدة علمية دقيقة ، ويعتبر الدكتور مولود عشاق واحدا من أهم هؤلاء الباحثين الذين أخذوا على عاتقهم مسؤولية تقليب تاريخ هذه الإمارة في محاولة لبناء معالم هذا التاريخ ولترتيب المشهد من جديد وتنقيحه من كل المغالطات والأراجيف التي كانت تدثره بحسن نية أو بسوئها باعتماد على ما تنضح به المادة التاريخية في بطون كتب التاريخ التي أرخت لتاريخ هذه الإمارة ، التي لم تسلم من سهام النقد من طرف الباحث رغم كل ما تختزنه من معلومات ومعطيات حول تاريخ هذه الإمارة لكن تعسفها على بعض الحقائق التاريخية ومجانبتها للواقع والصواب و تحاملها في أكثر من مقام عليها ، أفقدها الكثير من المصداقية والموضوعية دون معرفة أسباب وخلفيات ذلك ، وبالتالي وجب التعامل معها بحذر شديد، وعدم الانسياق أو الانجرار وراءها بدون غربلة أوتحليل وتفكيك صارمين لفرز الغث من السليم والني من الناضج .ولعل ما يثير الانتباه حول كل تلك الكتابات التاريخية التي أرخت لتاريخ هذه الإمارة المثيرة للجدل هو التركيز بشكل كبير على المسألة الدينية فيها ومذهبها الديني والسياسي، والصراعات والحروب التي خاضتها هذه الإمارة ، التي يبدو أنها كانت مضطهدة ومستهدفة منذ نشأتها ، سواء على المستوى الخارجي أو الداخلي إلى درجة أنك قد تجد فائضا في المعلومات حول هذا الموضوع حد التخمة ، دون الاهتمام بقضايا أخرى تهم تاريخ هذه الإمارة ، مما يثير الكثير من التساؤلات حول هذا الاهتمام المفرط والمبالغ فيه بهذه المسألة ، وهذا ما سيكشف عنه الدكتور الباحث النقاب في ثنايا كتابه ، وفي المقابل تجد فقرا مذقعا بكل ما يتعلق بالمستويات الأخرى اقتصادية أو اجتماعية أو ذهنية ، فلا يمكن أن تكتمل الصورة التاريخية حول منطقة معينة الا باستحضار كل هذه المستويات لكن للأسف هناك تجزيء وتقطيع لأوصال متعمد لتاريخ هذه الإمارة حتى أمسى وكأنه عبارة عن جزر متناثرة ومعزولة ومنفصلة قصد تشويهه وتقديمه مبتورا للقارئ والمتلقي ، وحسنا فعل الدكتور مولود عشاق الذي أثار هذه النقطة في كتابه ، بل شكلت نقطة الارتكاز والعصب الحي فيه ،حيث وجه بوصلة بحثه صوب هذه الجهة المعتمة والمنسية من تاريخ بورغواطة لتسليط الضوء عليها وكشف الستار عنها ، فيحسب للدكتور قصب السبق في إثار موضوع التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والذهني للإمارة البورغواطية ، وبذلك يكون قد اقتحم مجالا بكرا كان ينتظر من يخترقه متوسلا بمعاول البحث والتنقيب والهدم وإعادة البناء في ذات الوقت .وهنا تكمن القيمة المضافة لهذا الكتاب القيم موضوع الدراسة .

يتضمن كتاب الدكتور مولود عشاق بين دفتيه ثلاثة فصول رئيسية وفصل تمهيدي ، علاوة على مقدمة وخاتمة ، ففي الفصل التمهيدي أ عطانا الأستاذ الباحث صورة واضحة ومتكاملة عن وضعية المغرب الأقصى قبيل قيام إمارة بورغواطة وبشكل خاص مكونات البنية السوسيو اقتصادية والسياسية والدينية التي عرفتها هذه الرقعة الجغرافية من المغرب الأقصى خلال الربع الأول من القرن الثاني الهجري ، وما تلى ذلك من اكتمال بوادر ظهور الإمارة البورغواطية إلى الوجود ، أما الفصل الأول فقد ناقش فيه الأستاذ الباحث بالدرس والتحليل تاريخية إمارة بورغواطة فخصص المبحث الأول منه لإيتمولوجية التسمية وجينالوجية الأصل الفبلي بينما تطرق في المبحث الثاني لرسم خريطة لرقعة بورغواطة الجغرافية والترابية وامتداداتها وحدودها ، غير المستقرة حسب الظروف السياسية والتاريخية ،في الوقت الذي انصب المبحث الثالث على استقصاء التطور السياسي للإمارة ، ليخصص الباحث المبحث الرابع من هذا الفصل لدراسة ميكنزمات وتمفصلات الديانة البورغواطية ، إذ أماط الأستاذ اللثام على أن المرجعية التاريخية لم تختلف بقدر اختلافها حول الأصول الحقيقية لهذه الديانة . أما الفصل الثاني من الكتاب فقد رصد فيه الباحث البنية الاقتصادية بالإمارة وذلك انطلاقا من مباحث ثلاثة ، فأما الأول عالج فيه النشاط الفلاحي الذي كانت تتعاطاه الإمارة من زراعة ورعي وما إلى ذلك ،مع الوقوف على وضعية الأرض وأهميتها بالرفع من المستوى الفلاحي ، أما الثاني تم تخصيصه لدراسة أشكال النشاط الصناعي الذي كانت تمارسه الإمارة وأهم المنتوجات الصناعية التي تنتجها في ذلك الإبان والمشاكل التي كانت تحيط به ، في حين سلط الباحث الأضواء في المبحث الثالث على النشاط التجاري والمبادلات التجارية البورغواطية ، والمراكز التجارية المساعدة على انسيابية هذا النشاط سواء على المستوى الداخلي أوالخارجي . هذا وقد أفرد الدكتور الفصل الرابع لأسس البنية الاجتماعية والعقلية لإمارة بورغواطة ، واستهل الباحث هذا الفصل كتمهيد له بدراسة الخريطة القبلية مع التركيز على البطون القبلية ذات التبعية الروحية في المقام الأول ، ثم انتقل الأستاذ إلى المبحث الثاني والذي رسم فيه معالم الخريطة الديموغرافية للإمارة بالاعتماد على مؤشرين اثنين ، المؤشر الوصفي والإحصائي ، أ ما المبحث الثالث فهو عبارة عن خطاطة للتراتبات الاجتماعية ، وأثر المكون الرمزي والسوسيو اقتصادي في تبلور إوالياتها .و لم يفت الدكتور الباحث في المبحث الرابع الغوص في تفكيك وتركيب نسيج الأعراف القبلية والعقليات السائدة في الإمارة ، وبنفس المقدارونفس النسق قارب الدكتور في المبحث الخامس مكونات البنية العقلية السائدة في إمارة بورغواطة من خلال أمثلة ونماذج حية شاهدة على التنوع والثراء الذي يعرفه هذا المجال سواء من حيث أشكال الأزياء وأنواع الأطعمة والعادات والتقاليد ناهيك عن أنماط المعتقدات الغيبية وقس على ذلك مما لا يتسع الحيز لسرده كله . أما الخاتمة فلقد عرض فيها الباحث أهم الخلاصات والاستنتاجات التي خلص إليها في سياق هذا البحث الشيق والممتع والمتعب في ذات الوقت ، إذ يمكن اعتبار بدون منازع كتاب الدكتور مولود عشاق هذا مرجعا تاريخيا قيما ونفيسا في متناول الباحثين والدارسين الذين يأخذهم الفضول المعرفي لاستطلاع أو استكشاف تاريخ إمارة منسية بين غياهب وظلمات التاريخ ، ورغم هذا المجهود الفكري الذي قام به الأستاذ الباحث من أجل كشف المزيد من الحقائق المغيبة عن تاريخ هذه الإمارة في محاولة لإعادة الأمور إلى نصابها بشيء من المصداقية والأمانة التاريخية ،الا أن هناك أسئلة عالقة بخصوص تاريخ هذه الإمارة لا زالت تنتظر من يجيب عنها ، وهذا ما جعل الأستاذ عشاق يمني النفس للعودة ثانية إلى هذا الموضوع كلما أتيحت له الفرصة ، أو فور وصوله في مدارج البحث التاريخي الذي يتنفس عبيره إلى معطيات أو معلومات جديدة حول الإمارة تفيد القارئ والمتلقي من جهة ، والباحثين والدارسين من جهة أخرى .

Loading

Share
  • Link copied