إن المتتبع والمهتم بالشأن السياسي في المغرب ، لا بد وأنه سيلمس حالة من الضبابية وعدم الوضوح ، اللذين يكتنفانه ، ولن يستطيع بذلك أن يشكل تصورا أو صورة واضحة حيالها، فكلما ساد الاعتقاد أن الأمور تسير في الاتجاه السليم نحو ترسيخ ثقافة وممارسة ديموقراطية حقيقية ، ويتم تعبئة الكثير من الموارد والإمكانيات لبلوغ هذا المبتغى ، تقع هنالك تراجعات ، وتتم العودة إلى نقطة البداية ، ثم نعاود الكرة مرة أو مرات أخرى وتبقى النتائج على حالها ، حتى قيل يوما على لسان أحد الباحثين الأمريكان ، أوردها المرحوم “الجابري” في إحدى كتاباته : “في المغرب قد يتغير كل شيء من أجل لا شيء” ، والواقع أن هذه الصورة الضبابية لم تنشأ من فراغ ، فثمة العديد من الأسباب التي ساهمت بشكل كبير في تثبيتها وترسيخها ، جزء كبير منها يعود للنخبة السياسية التي ربما تجد في هذه الضبابية غطاءا لبلوغ مآربها في ظل غياب قوى سياسية حقيقية تقوم بتبديد هذه الضبابية ، وتضع المشهد السياسي على سكته الحقيقية في إطار من الشفافية والوضوح ، وتتجلى هذه الضبابية أيضا في تداخل المفاهيم التي يتخذ الكثير منها طابعا فضفاضا في أحايين كثيرة ، ويحار المرء في تحديد معانيها ومدلولاتها ، وخير مثال على ذلك هو ذلك الخلط الحاصل بين ما يعيشه المغرب حاليا ، هل يعيش حقيقة انتقالا ديموقراطيا كما يعتقد الجميع ، أم أن نحن بصدد توفير الشروط الموضوعية الحقيقية لهذا الانتقال ؟ وشتان بين الأمرين ، وحتى مفهوم “الانتقال الديموقراطي” نفسه هكذا ، أو بهذا الشكل الذي يتم طرحه والترويج له ،هو صعب التناول علميا كما يذهب إلى ذلك الأستاذ الباحث الدكتور “محمد الطوزي” ، لأنه حينما تقول انتقالا ديموقراطيا فأنت تعاكس بشكل كبير مفهوم الديموقراطية الذي يصبح من هذا المنظور أشبه بما يكون بمحطة قطار يتم الوصول إليها وانتهى الأمر ، فليس هناك محطة وصول في الديموقراطية وحتى الذي يعتقد أنه وصل ديموقراطيا واهم ، فالديموقراطية دائما خطر مفتوح على إمكانية النكوص ، ففي الديموقراطية هناك شد وجذب ومسلسل يؤطر بالقواعد العامة للعبة من حيث تغييب ما يسمى بالمخاطر الجسدية في السياسة ، حيث أنك لن تموت إذا خسرت سياسيا ، وبالتالي وبناء على هذه المقاربة نلفي أنفسنا نجترح مفاهيم ومقولات تظهر وكأنها تحيل على غايات نخالها هي المرجوة ، لكن في النهاية لا توصلنا إليها بقدر ما تزيد الواقع التباسا وغموضا ، ثم هناك أمر آخر لا بد من التعريج عليه وهو حينما يتم الحديث عن المعارضة أو عن وجود نخبة سياسية معارضة ، فالسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق ، هو معارضة لمن ؟ لقد اصبح الخطاب ذا أفق وحيد ، والحال أنه لإنتاج خطاب سياسي معارض يجب أن تكون هناك إمكانية للتعارض ، وما يقع اليوم في المغرب كما في جل دول العالم ، هو أن ليس هناك أي فرق فهناك اختلاف في الممارسات وطرق الإنجاز وديناميته وكذا تحديد الأولويات ، فالمعارضة تكون واضحة حينما تكون بين أفقين أو ثلاثة ، لكن اليوم يبدو أن هناك نوع من النمطية ، ومادام لم تطرح بعض الأسئلة الأولية حول شروط التعاقد السياسي وغيره فإن الوضع يبقى على ما هو عليه ، خاصة حينما تصبح السياسة ذات نفس إجرائي وحسب . ومن دون شك لا يمكن أن ننهي الحديث عن ضبابية المشهد السياسي في المغرب دون أن نثير دور الباحثين والدارسين المهتمين بالشأن السياسي الذين تخونهم الجرأة اللازمة لرصد كل تشوهات هذا المشهد والوقوف عليها وكشف الحقائق ، والخوض في كل التحولات التي يعيشها المغرب ، وإعطاء العمق التاريخي لها ، بعيدا عن التوثيق اليومي للأحداث ، وهذا ما يستدعي الانخراط بشكل أو بآخر في الحركة العلمية العالمية، لأن تناول موضوع التحولات السياسية بالخصوص في المغرب ، رغم أنه حالة تاريخية ، ليست بشاذة ولا محايدة في العالم بقدر ما أنها تتقاطع مع عدة حالات ، يجعل من الضروري تجاوز هذه المسألة للاستئناس والتعامل المباشر مع ما يجري في مراكز الأبحاث العالمية حول هذا الموضوع ، وذلك من أجل استنباط مفاهيم كونية يمكن ان نعبّر بها عن مرحلة تاريخية ما في الحياة الإنسانية والتي ينتمي إليها المغرب ، ومن هنا تأتي مسألة التحول أو العبور كبرنامج له تبويبات يمكن أن تؤدي إلى أبحاث ميدانية تحليلية وتاريخية محددة ، هذا البرنامج يتمحور حول مجالات عدة تفيد الباحث والمتتبع ، والتي يتم تغييبها أو إغراقها حينما نتعامل معها من هذا الجانب العمومي المتمحور حول التحول السياسي ، حيث نخرج من نطاق التحليل إلى التقييم ، في حين أن المطالب به على المستوى الأكاديمي هو التحليل والتشخيص. لكن يبدو اننا لم نصل بعد إلى هذا المستوى من العمق والجدية في التعاطي مع واقعنا السياسي ، وفي الحقيقة كل هذه النواقص وهذا المستوى في التعامل مع المشهد السياسي في المغرب ليس من طرف هؤلاء الباحثين والدارسين وحسب، وإنما حتى على مستوى المواطن العادي ، هو نتيجة عدة اعتبارات تتمحور على التعبئة السياسية والاهتمام السياسي بشكل عام، فأمام هذه الضبابية وهذه الإكراهات الكمية والكيفية المحيطة ، يبقى هناك نوع من الحنين الكبير في جميع المستويات للوظيفة الغرامشية للمثقف العضوي التي يبدو أنها ليس تجووزت ، لأن المثقف بدون شعور قبلي بتموقعه في المجتمع والتيارات التي تتجاذبه لا يمكن اعتباره مثقفا ، لأن دور المثقف العضوي إذا نظرنا في كتابات ما بعد “غرامشي” ، أصبح ليس تقييميا بشكله الساذج ، ولكنه تحليلي نقدي ، في حين أن المفهوم التقليدي للمثقف العضوي هو الذي يلعب دور المعبئ لطبقة من الطبقات في إطار البحث عن السلطة ، وتغيير نمط الإنتاج ، فكما يقول الكاتب لفرنسي “هارتي دوبريم” المغرب ليس بصدد مرور من مرحلة إلى أخرى بقدر ما هو في مرحلة يمكن اعتبار القيمة الوقتية فيها لها جريان يؤدي إلى أن المعالم التي تكون البنيات التي يتحرك داخلها و في إطارها الفرد والمجموعات أ صبحت شبه غامضة بشكل يمكن تفسيره بعدة مسائل من قبيل المرور من جيل على جيل ، ومن حقبة تاريخية إلى أخرى ، والتموجات العالمية الحاصلة ، والتي تجعل المرحلة التاريخية الحالية جد سريعة في الوقت وفي المجال ، وهو ما يغير المعالم ويكثر من التهافت والطلب الكبير على المثقف العضوي الذي يمكن أن ينتج المعنى أو القيمة لأنه في غياب السياسة كمؤطر للعلاقة يتم اللجوء بطريقة فوضوية إلى حد ما إلى السلطة العلمية، وإذا كنا لا نختلف في دور المثقف العضوي في المجتمع من الناحية السياسية بالخصوص ، وأهميته جلية فيه ، كما وضحنا ذلك ، فهذا لا يلغي أهمية باقي النخب المثقفة الأخرى بمختلف تلاوينها التي هجرت السياسة طوعا أو كرها ، مما أفقد السياسة الكثير من توهجها وطعمها وألقها ، نحن لا ندعي أن السياسة حكر على المثقف وحده ، بل بالعكس نريد لهذا المثقف أن يتعايش وينصهر سياسيا مع جميع الفئات الاجتماعية ، ويكون فيها هو العقل المدبّر بفكره وفلسفته وعلمه ، حتى تستطيع السياسة أن تأخذ صبغتها الحقيقية ولونها الطبيعي ، ولذلك يمكن أن نقول أن غياب المثقف عن السياسة يجعلها فقيرة فكريا وانغراسها فيما هو تكتيكي وظرفي ، والحقيقة ان هذه الظاهرة ليست مغربية وحسب ، وإنما ظاهرة تكاد تكون عالمية ، ولنأخذ مثلا الانتخابات في فرنسا أو حتى في أمريكا ، فلحد الآن هناك أفق واحد أحادي والتموقعات تجاهه تبقى أخلاقية أكثر منها سياسية ، ففي العشرين سنة الأخيرة يلاحظ غياب إعادة طرح الأسئلة الأولية ، وهي يمكن أن تطرح مستقبلا في إطار السيرورة التاريخية ، لكن نحن الآن في مرحلة جريان لا تسمح بطرح أسئلة ، لماذا التحرير ، ولماذا العولمة ، ولماذا الاقتصاد ..؟ فالبعد الفلسفي في السياسة تضاءل دوره كثيرا في العقدين الأخيرين ، والعمليات السياسية أصبحت أشبه بماركوتينغ أكثر منها عملية طرح مشاريع مجتمعية ككل وهذه ظاهرة عالمية والمغرب جزء منها ، حيث تغيب القضايا المصيرية للإنسان ، والأسئلة الأولية أصبحت حاضرة غائبة في الكتابات الفلسفية الراهنة ، كما أن على المستوى السياسي لم تعد تطرح بالشكل الذي يجب ان تكون عليه، وبالتالي يبدو أننا حيال مشهد سياسي محلي وعالمي مرتبك و غير واضح رغم ما يبدو على الواجهة من حركية ودينامية ّ، لكن يبدو أنه بدون بوصلة حقيقية لتحديد الاتجاهات والمسارات الحقيقية التي يجب اتباعها ، وهذا ما يجعله محط انتقادات وتساؤلات ، و في حاجة ملحة إلى إعادة ترتيب وإعادة تشكيل وبناء .
![]()
