لاشك أن حينما يعود المرء إلى تاريخ الفكر العربي ويُقلِّبها الواحدة تلو الأخرى ،لا بد أن تستوقفه محطات متوهجة من هذا التاريخ الحافل بالعطاء والانتاج في شتى المجالات والأصناف، خاصة الفكرية والثقافية والعلمية منها ،ولا بد أيضا أن تستوقفه أسماء نخبة من المفكرين والمثقفين العظام الذين أسسوا لهذه المحطات المتوهجة بكتاباتهم وأفكارهم التي أثَّرت في مجرى التاريخ وخلقت الحدث وجلبت الاهتمام ،خاصة منه التي كانت خارجة عن المألوف والمعتاد ،ولم يكن لهذه النخبة أن تصل إلى هذا المستوى من الرقي والاهتمام لو لم تتميز بالجرأة والشجاعة في المواضيع التي طرقتها والأفكار والتصورات التي تؤمن بها ،وفي طريقة طرحها لذلك ،تلك الطريقة التي لم تكن مألوفة لدى الإنسان العربي ،ولم يتعود عليها من قبل ،إلى درجة أن هناك من يعتبر كتابات هؤلاء نقطا مفصلية وحاسمة ،وعلامات فارقة في مسار الفكر العربي منذ نشأته ،وفي الحقيقة يصعب جرد كل هذه المحطات المهمة والمتميزة ،وكل الكتَّاب والمفكرين الذين ساهموا في تشكيل معالمها ونسج خيوطها بإحكام، لكن في ذات الوقت خليق بنا أن نتوقف على الأقل ولو للحظة مع أحد أعمدتها ورموزها بدون منازع هذا الرمز الذي غالبا ما يتم تجاهله أو تناسيه من طرف الباحثين والدارسين وحتى من النقاد الذين تعاطوا مع القضايا الفكرية والدينية الحساسة التي بصمت المسار التاريخ العربي الإسلامي ،التي أدى فيها هذا الرمز ثمنا باهظا ،وضريبة الدفاع عن أفكاره ومواقفه وآرائه التي لم تكن تلقى قبولا وصدى لدى جهات ومؤسسات اجتماعية ودينية بالخصوص، خاصة في وطنه الذي ترعرع بين أحضانه “مصر” ،لقد استطاع هذا المفكر الكبير أن يحدث حقيقة ثورة أو زلزالا في المجال الديني والسياسي على حد سواء في العالم العربي والإسلامي ،حيث زعزع بعض الثوابت الدينية والنظرة التقليدية لأصول الحكم، وبشكل خاص فيما يتعلق بالخلافة وتدبير الحكم والشأن السياسي في الاسلام ،حيث خاض هذا المفكر في مسألة “دينية أو غير دينية“منصب الخلافة، وهذه المسألة كان من الصعوبة بمكان الاقتراب أو الدنو منها أو حتى طرحها على طاولة النقاش في ذلك الإبان ،لكن يبدو أن هذا المفكر حقيقة ركب غوارب المغامرة المحفوفة بالمخاطر ،وطرح القضية في إطار شمولي ينظر في كيفية إخراج العالم العربي من معضلة التأخر التي لازمت هذا العالم وتأبى الانفكاك ،إنه المفكر والعالم الأزهري الكبير ” علي عبد الرزاق” صاحب الكتاب الشهير ” الإسلام وأصول الحكم“،فبقدر ما ساهم هذا الكتاب في شهرة هذا المفكر ،بقدر ما كان سببا مباشرا في محنته ، وفي هذا الربط القسري بين الشهرة والمحنة تكمن قيمة وجودة والمكانة الاعتبارية لهذا الكتاب ،وفيه تكمن أيضا أهمية هذه المحطة الفكرية التي تشكل حلقة متميزة ونقطة مشرقة ومضيئة في التراث الفكري العربي مع مطلع القرن العشرين ،والتي لم يكن ” علي عبد الرزاق” لوحده من صنَّاعها من طبيعة الحال، فنماذج من هؤلاء الصناع كثيرة ،جايلته وبصمت هي الأخرى على الاختلاف وخلقت الحدث كما هو الشأن بالنسبة ” لطه حسين” حينما خرج كتابه ” في الشعر الجاهلي” إلى الوجود ،الذي لم يسلم هو نفسه من المعاناة والضغوط التي مورست عليه،إسوة ” بعلي عبد الرزاق“،لكي يلقيا نفس المصير تقريبا ،فأين تتجلى شهرة هذا الرجل، وأين تتجسد محنته ؟
يستمد “علي عبد الرزاق“شهرته من كونه خاض وبجرأة عز نظيرها في ذلك الزمن في مواضيع ظلت لمدة طويلة مغيَّبة في ذهنية الانسان العربي المسلم بعد أفول الحضارة العربية الإسلامية وانتكاسة الحكم السياسي العربي في المشرق والمغرب ،ويبقى أبرز موضوع أو مسألة طرق بابها هذا المفكر هو موضوع ” الخلافة“الذي كان من الطابوهات ومن الصعب أن يثيره أحد في نقاش أو جدال ،موضوع محصَّن من جميع الجوانب ،لكن ” علي عبد الرزاق” استطاع أن يحدث ثقبا كبيرا في هذا الجدار السميك المحصّن وأخرج هذا الموضوع إلى العلن رغم علمه المسبق أنه يخوض في دائرة شائكة ومحفوفة بالمخاطر ،فكان أول ما استهل به الخوض وتعرية هذا الموضوع أي موضوع الخلافة ،ردُّه المزلزل على كل من يعتبرها منصبا دينيا ،ووضَّح في هذا الإطار أن لا الكتاب ولا السنة ولا الإجماع يشرعن هذا المنصب ،وهذا الموقف الذي عبَّر عنه” علي عبد الرزاق” بخصوص مسألة الخلافة ما هو الا جزء من مواقف وآراء كثيرة ،عبّر عنها وهي في مجملها تدعو إلى إعادة النظر في العديد من الاعتبارات والمعتقدات الدينية التقليدية ،ومجموعة من القيم المتواترة على يد الفقهاء الموجَّهين بالأوامر السياسية،ليس هذا وحسب بل استطاع أن يعيد إلى طاولة النقاش أسئلة شائكة من قبيل “الإسلام والدولة“،” الإسلام والديمقراطية” ،” الإسلام ومشاكل العصر“،وما إلى ذلك من الاشكالات العميقة الأخرى التي لا زال النقاش حولها لم يهدأ إلى حدود الساعة وبشكل خاص كل ما له ارتباط بالإسلام والسلطة والحكم ،الذي كتب فيه الكثير وسلّط عليها أضواء بالشكل الكافي بالحجة الدامغة قصد الاقناع وإثبات الحقيقة،ورغم تنوع المسائل والإشكاليات التي خاض فيها هذا المفكر كما وضحنا ذلك ،لكن تبقى مسألة الخلافة هي التي أثارت الكثير من الاهتمام والجدال، وصاحبتها العديد من الأفعال وردود الأفعال وضعت” علي عبد الرزاق” في فوهة بركان، وأصبح أمام نيران المدفعية الدينية المحافظة،التي من دون شك لن يسلم من آثارها وتبعاتها.
لقد فتح ” علي عبد الرزاق” بكل هذه الأفكار والتصورات التي أوردها في كتابه ” الإسلام وأصول الحكم“جبهة مواجهة مع ما يسميهم بالأوصياء على الدين التقليدي الذين يحركهم السياسيون من وراء الستار ،والذين لم يستطيعوا التخلص نهائيا من أقمطة المحافظة والتقليد وتغليب روحه ،والتشبت بالنماذج ا الجاهزة ،ومعاداة ثقافة الاختلاف والسعي إلى تكريس صوت أحادي يجسد عين الحقيقة ،وكان من نتيجة هذه المواجهة ،أن حوكم ” علي عبد الرزاق“من طرف ” قضاة الدين المتزمت“،حيث أصدرت في هذا الصدد هيئة علماء الأزهر حكما يقضي بإبعاده من مُجمَّع العلماء وطرده من جامع الأزهر وما له ارتباط بالجامع من دوائر علمية ،وبعد ذلك قُطع راتبه ومنعه من ترشيح نفسه لأي وظيفة دينية أو غير دينية ،صدر الحكم يوم الأربعاء 12 غشت من العام 1925 ،واُعتبر القرار سياسيا أكثر منه دينيا ،لأن كانت يد السلطات السياسية الطولى واضحة وراء تحريك بيادق السلطة الدينية المتطرفة المتماهية قلبا وقالبا مع طموحات ورغبات الطبقة السياسية الحاكمة ،ومنذ ذلك التاريخ امتنع هذا المفكر عن طبع الكتاب طيلة ما تبقى من حياته ،وفي خضم هذا الصراع الفكري بين قوى المحافظة وقوى التجديد والتحديث،ولما اتضح أن الحرية الفكرية أصبحت تتعرض لكل أشكال المضايقة ،بفعل هذه السلوكات التي أقدمت عليها المؤسسة الدينية الرسمية بإيعاز من السلطة الحاكمة في حق “علي عبد الرزاق” وآخرين ،بدأت تتشكل معالم جبهة دفاعية تدافع عن الحرية في التعبير وعن الفكر العقلاني الحر، هذه الجبهة التي تزعمها ” عباس محمود العقاد“،الذي وقف إلى جانب المستهدف الأول من هذه المضايقات ” علي عبد الرزاق” في محاولة منه لإرجاع الأمور إلى نصابها ،واتسعت بعد ذلك دائرة هذه الجبهة بانضمام مفكرين آخرين رافضين لممارسة الحصار أو المنع عن أفكار المفكرين أو المجددين في كل الحقول العلمية المختلفة.
نستطيع أن نقول أن ” علي عبد الرزاق” بتدشينه لأولى معارك التحديث ضد التقليد في الفكر الديني العربي ،يكون قد وضع أولى لبنات وأسُسِ فكر متحرر من قيود العباءة الدينية الأزهرية ،خاصة وأنه مسلّح أولا بإرث من سبقوه في هذا الدرب رغم بعض الاختلافات بينهم أمثال ” محمد عبده والكواكبي” اللذين ركبا أمواج التحديث في ظل منظومة فكرية إسلامية لم تكن تسمح باستنبات أفكارهم في المناخ العربي الإسلامي الذي كان يحبل بالاكراهات الاجتماعية والسياسية والفكرية التي تحظى بغطاء سياسي لم تساعد في استكمال بناء دعائم مشروعهما،لكن على الأقل كانت أفكار هؤلاء تنذر على أن المجتمعات العربية ستكون على موعد مع العديد من التحولات الفكرية بالخصوص التي ستضع نقطة نهاية للعديد من الأمور والمعتقدات التي أُريد لها أن تكون من الثوابت وهي ليست كذلك كما سيشرح ذلك” علي عبد الرزاق” الذي يمكن اعتباره امتدادا لمشروع” محمد عبده والكواكبي” الفكري على الأقل،وثانيا بالمنهج العلمي العقلاني الذي يروم إلى إخضاع أي شيء للمساءلة والتحليل والنقد،ورفض الجاهز ،وأن عصر المسلمات والبديهيات قد ولى ،لقد كانت رغبة ” علي عبد الرزاق” بطرح هذه الأفكار الجديدة وبمناهج مختلفة هي إظهاره قدرة الإنسان العربي المسلم على إعادة قراءة واقعه وحاله انطلاقا من ذاتيته ،وتكون النتائج كبيرة لو توفرت له ظروف الاجتهاد الخالية من حجر أو وصاية متطرفة دينية كانت أو سياسية.
![]()
