تعد ثنائية (الأحمق والكتابة) من الموضوعات الشقية والمثيرة والشيقة في ذات الآن كونها تحمل دلالات عميقة في النقد الأدبي والفلسفي وفي القراءات المتانية لفهم الأحمق من خلال المقالات الصحفية ودراسات الاخصائيين في علم النفس والباحثين والدارسين.
ولا يقصد بالأحمق هنا المعنى البسيط للغباء والفاقد للأهلية ولا ذلك الشخص الذي يتعرى في الشارع ويرشق المارة بالحجارة بل ذلك الشخص الذي يعاني من اضطرابات نفسية متقدمة ويحتاج بطبيعة الحال إلى ابتلاع كميات مهمة من الأدوية الطبية لخلق التوازن النفسي وتدثير الخلل ، انه النموذج الإنساني الذي يفتقر إلى الوعي بالمحيط القريب والبعيد و يعيش في سطحية التفكير، في مقابل فعل الكتابة الذي يتطلب وعيا متيقظا وتأملا عميقا وقدرة كبيرة على مساءلة الواقع.
في كثير من الكتابات الأدبية، يظهر “الأحمق” على انه شخصية وظيفية تكشف تناقضات المجتمع رغم انه لا يدرك عمق ما يحدث حوله، لكنه في الوقت نفسه قد يرتجل الحقيقة بشكل مباشر أو عفوي، وهي حقيقة تهدا الأشباح الداخلية التي تضغط على المخيلة والتفكير للابتعاد عن الهلوسات والانفعال الزائد عن اللزوم، فيفضح ما يحاول الآخرون إخفاءه دون مراوغة ولا اختيار الوسيلة. وهنا يتحول الحمق إلى أداة تعرية غير مقصودة للنفس المضطربة والمهزوزة دون تقدير لسوء العواقب، تجعل من المضطرب نفسيا مرآة مشوهة تقترب من الانفصام مما يشكل تهديدا حقيقيا يستوجب الاحتراس كلما ظهر تناقص في السلوك وتغيير المواقف والرد على الاخرين دون تفكير وقد يدخل في نوبة بكاء حين يشعر انه ارتكب سلوكا ضارا بالغير او سقط في المحظور كالخبر المضلل عن ممارسة الجنس مع الكلاب.
إن لجوء المضطرب نفسيا إلى الكتابة للتعبير عن المكنونات الداخلية تحركه الرغبة الجامحة في إسماع الصوت والبحث عن ملجأ امن لخلق توازن للظهور بمظهر الانسان العادي المتفوق والناجح المحصن ضد الارتكاسات وهذا ما نعاينه بقوة في مدينة الخميسات التي تحولت الى بنية استقبال للحالات المزعجة الغارقة في الحروب النفسية والاحباطات والهزائم التي تمنع من الترقي والتفرد.
فالكتابة فعل مضاد لانغلاق والرغبة في إثبات الوجود لإعادة تشكيل الواقع عبر اللغة الهاربة والمتشظية . إذ لا يكتفي بوصف الضرر الحاصل والمحتمل، بل يعيد ترتيب الأشياء للكشف عما يشكل الاضطراب والخوف والانقباض مما يسقطه في السطحية أو اللامبالاة والضجيج الارعن أو غياب السؤال كما ان مفاقمة واقع الاحمق يتحمله هؤلاء الذين ينفخون فيه العظمة والمقدرة على الانتاج والتكيف السريع دون استشارة الطبيب ،وهذا السلوك يقوض مسالة العلاج ويعمق ازمة الاحمق الداخلية.
في الحقيقة الكتابة الابداعية تستفيد من “الأحمق” كأداة فنية، إذ تمنح السذاجة النص الأدبي طابعا بسيطا ومباشرا يتيح للقارئ رؤية الحقيقة دون تعقيد ودون رتوشات وتجميل.فصوت الأحمق وانفعالاته وحركاته تنتج مفارقة ساخرة تكشف عمق الواقع من خلال الشقشقات المضطربة لأنها تميط اللثام عن لحظات الشك أو الارتباك وملاحقة الوهم ويتقاطع الغموض في طرح الافكار وعدم تناسقها مع البحث عن المعنى المقصود.
فالكتابة لدى شخص يعاني اضطرابات نفسية نعتبرة في الواقع سؤالا مفتوحا على جميع الاحتمالات ويحمل لحظات “اللايقين” لان العلاقة بين الأحمق والكتابة علاقة توتر والتباس وانحدار نحو الذاتية المفرطة تكشف حدود اللاوعي الإنساني بطريقة واضحة رغم اختيار عبارات منمقة لتأكيد الصحوة والشفاء والاعتراف العلني بالاضطراب والتردد على المشافي لتلقي العلاج كلما اصيبت الذات بالشرخ بسبب الضغوط اليومية والفشل في اسماع الصوت واقناع الاخر بوجهات النظر الملتبسة والقاصرة، لكن ذلك لا يشكل مسافة خصبة لفهم الإنسان القابع وراء الشاشة لترتيب الحروف ومدى قدرته على إنتاج المعنى العميق من التناقض في قراءة الأشياء المحيطة.
![]()

تعليقات ( 0 )