تعتبر الصحافة في حقيقة الأمر واحدة من أهم الركائز الأساسية في المجتمعات الحديثة أو السائرة في طريق التحضر والمتمدن، فالصحافة ليست مجرد وسيلة لنقل الأخبار ، بل سلطة معنوية تسهم في تشكيل الرأي العام وتوجيهه وكذلك نشر الوعي بين طبقات المجتمع وفتح النقاش المعمق والمسؤول على قضايا تهم المواطن بحثا عن تجاوز المعيقات والإكراهات. هذه السلطة بإقليم الخميسات ذات الأبعاد الخطيرة رهينة للانحراف والانجرار وراء توجهات قاصرة ومعيبة وبعيدة كل البعد عن التزامها بالأخلاقيات المهنية و غير قادرة على ممارسة الحياد والارتباط بالمبادئ العامة التي تؤطرها وتشكل المحرك الأساسي للعمل الصحفي الهادف الذي يحمي المجتمع من الانزلاق نحو الرداءة والتفاهة والتضليل الذي يمهد للفوضى الإعلامية التي أصبحت مشاهد مألوفة بشكل مستفز.
في ظل التحولات الرقمية المتشابكة والمتسارعة، برزت العديد من الإشكالات والتحديات الجديدة، تتمثل بالأساس في ضعف الرقابة و الالتزام المهني عبر توزيع اعتمادات إعلامية دون التدقيق في الخلفيات ، ناهيك عن غياب الوعي والحس النقدي لدى بعض المنتسبين للحقل الإعلامي والمتلقين على حد سواء مما خلق أزمة في عمليات التمييز بين الغث والسمين بين الضحالة والإسفاف مما كرس نوع من الالتباس لدى الملتقي و المستهلك الذي بالكاد يفك شيفرة الحروف دون الحديث عن هؤلاء الذين رفع عنهم القلم ويخبطون خبط عشواء بحثا عن متنفس لتفريغ الحمولات الداخلية .
تقوم أخلاقيات الصحافة في شكلها الواضح والعام على جملة من المبادئ، في مقدمتها التوفر على رصيد معرفي والقدرة على تطويع الكلمات والمقدرة على تحليل الأخبار تحليلا واعيا إلى جانب الصدق، والموضوعية والاستماع الى جميع الاراء دون اقصاء او تهميش، واحترام خصوصية الأفراد بالامتنماع عن نشر القضايا الشخصية الا في حدود المسموح به لتقويم الاعوجاج وعدم خنق حرية التعبير.
فالصحفي المتفهم والمدرك لقيمة المهنة مؤتمن على جوهر الحقيقة، غير أن الواقع يكشف عن تراجع كبير وواضح في الالتزام بهذه القيم الاساسية التي تسهم في تطور المجتمعات، حيث أصبحت بعض الجرائد والمواقع الإلكترونية تلهث وراء “ اللايكات” ورفع نسب المشاهدة بتغليب السرعة على التحقق، مما يؤدي إلى نشر أخبار زائفة أو مضللة. وهذا السلوك يعكس حقيقة خطورة التفريط في الأخلاق المهنية، ويسقط في متلازمة التضليل المقصود والمتعمد بدل التنوير.
الصحافة الناجحة والملتزمة هي التي تحقق التوازن بين السرعة والدقة في نشر الأخبار من مصادر عليمة تتمتع بالمصداقية ، فالتسرع بحثا عن السبق الصحفي يوقع في الاخطاء غير المسموحة ويكشف ضعف الكفاءة المهنية في اقتناص الاخبار ويؤدي إلى اختلالات تعكس أزمة أعمق في بنية العمل الصحفي الملتزم والناجح.
والأخطر في العمل الصحفي غياب الوعي بالرسالة الاعلامية، سواء لدى المنتمي الى الحقل الإعلامي او الجمهور. فالمراسل الذي يخاصمه الوعي ينجر بسرعة إلى أجندات سياسية او فكرية ضيقة ويسوق بضاعة تافهة، ويقع ضحية سهلة في فخ التحيز، و المتلقي غير الفاهم يصبح فريسة سهلة للأخبار المضللة. وبناء على ما سبق لا يمكن الحديث عن إصلاح الإعلام دون تعزيز الثقافة الإعلامية، وترسيخ قيم التفكير النقدي، التي تمكن الأفراد من التمييز بين الخبر الحقيقي المبني على معطيات دقيقة والخبر و المفبرك.
إن أزمة الصحافة اليوم أخلاقية وفكرية بالدرجة الأولى. فالتطور التكنولوجي، رغم ما يوفره من امتيازات، لا يضمن جودة المحتوى الذي يقوي مناعة الصحافي والمتلقي ما لم يواكبه وعي مهني متجدر وغير منحاز، لان إعادة الاعتبار لأخلاقيات الصحافة المكتوبة والمسموعة والمقروءة، وتكوين الصحفيين تكوينا متينا باختبار الملكات الابداعية والمقدرة على تطويع الكلمات، ونشر الوعي الإعلامي في المجتمع، تمثل في حقيقة الأمر خطوات أساسية نحو بناء إعلام مسؤول ينخرط في ازدهار المجتمع.
خلاصة القول نعتقد أن الصحافة المستقلة مرآة المجتمع ومسؤولية النهوض بالقطاع الإعلامي بها ليست مسؤولية المنتسبين وحدهم، بل مسؤولية جماعية تشترك فيها المؤسسات التعليمية، والهيئات المهنية التنظيمية والمؤسسات الإعلامية، والجمهور نفسه.
ومن خلال هذه القراءة البسيطة فليس كل من هب ودب يعتبر مراسلا واعلاميا يجب الارتكان لما يقدمه لان اغلب الممارسين في اقليم الخميسات ينشرون التفاهة ويطرقون باب( الغباء الاصطناعي ) بحثا عن مواد صالحة للنشر حتى يتلقون الشكر والتقدير من اولياء النعم
![]()

تعليقات ( 0 )