الاتحاديون أصدقائي…؟

سألني صديق مهتم بالأدب عن أحوال الشعر المغربي. فقلت له إنّه بخير، ويتمتع بصحة جيّدة. وأخذت قلمًا وبدأت أشرح له أشياء كثيرة على السبورة وأضحك في دواخلي على أشياء أخرى. لم أكذب. فالشّعر المغربي موجود؛ وكما ينبغي. فصيحًا وعاميّا، وبلغات شتّى. فقط نحتاج إلى نقّاد شعر نبّاشين من طينة باختين الذي دفع بالكاتب الروسي دوستويفسكي إلى واجهة الرواية. وأخرج الفرنسي فرانسوا رابيله من ركام الثقافة الشعبيّة وقذف به وسط القرّاء ليتعرفوا على كنوزه. هل كنّا سنتعرف على رابليه لولا باختين؟

الشّعر المغربي مظلوم نقديا، ويتعرّض للحيف عندما يتم تدوير الأسماء نفسها، وهي كلّها من الرعيل الأول، الستينيات والسبعينيات والثمانينيات. بل إن النقد بالمغرب يتوقف عند جيل الثمانينيات، ولا يتجاوزه إلا لمامًا كي يلقي تحية باردة على جيل التسعينيات ومجاملتهم. جيل العدم والمدمّر وطنيا ودوليا؛ على سبيل المجاز. بينما تتعامل المناهج الدراسية مع المنتوج الشعري المغربي بحذرٍ قديم، وتتفاعل ببطء سلحفاة مع الحداثة الأدبية والفنيّة. كما أن تصوّر الدرس الجامعي للشّعر يبدو متأخرًا جدّا. بل مازال، بين أسوار الجامعة المغربيّة، من يقول إنّ الشعر توقف عند قصائد علال الفاسي الوطنية. وإن قصيدة النثر مجرّد إشاعة في جريدة أجنبية.

نقدّر حقّا تواجد بيت الشّعر في المغربفي المعترك الثقافي والنقاش النقدي، ومن أعضائه أصدقاء وأساتذة نعتز بهم. وبينهم شعراء وكتاب مبدعون نحب كتاباتهم. لكن للأمانة، إن هذه المؤسسة تتآمر على الشّعر أكثر مما تنتصر له أو تحتفي به. إنّها مؤسسة بيروقراطية. وغير مستقلة، تابعة لوزارة الثقافة ولديوان الوزير.وربما على علاقة بالاستعلامات العامة. وبيت الشعر وحده يتحكم في جميع الأمسيات والمهرجانات الشعرية التي تقام على أرض المغرب. ويعيّن أعضاء لجنة الشعر في جائزة المغرب للكتاب، ويتابع الأمر عن كثبٍ إلى النهاية. ويشارك رئيسيا في حفل تسليم الجائزة كأنه الوصي الوحيد على الشّعر. هناك دائمًا من يصرخ اللهم إنّ هذا منكر“. وفي أحسن الأحوال يتم الاكتفاء باللمز والغمز في الفيس بوك. إنّ بيت الشعر هو الذي يختار الشعراء ويوعز إليهم بالترشّح للجائزة. ويهيئ إعلاميّا الفائز بها قبل أشهرٍ من الإعلان عن النتائج، من خلال استضافته في أمسيات شعرية أو ما شابه ذلك من الأساليب التي لا تُخفى على أفراده الذين تدربوا بما يكفي في اتحاد كتّاب المغرب أيام عزّه ومجده. ويملك بيت الشعر مجلّة خاصة بأعضائه. ومنهم من أصبح شاعرًا هو وعائلته بوجود هذه المجلة.

على ذكر بيت الشعر واتحاد كتّاب المغرب؛ فليس اكتشافًا إن نقلنا إنّ الاتحاديين هم الذين يتحكمون في دواليب الثقافة المغربية. وفي المهرجانات الثقافية في الجبال والسهول. وفي الجوائز والإقامات الأدبية. وأحيانا يساعدون الرفاق في الوصول إلى الجامعات والوزرات للتدريس والتسيير الإداري. وهذه ميزة تحسب لهم. الاتحاديون هم الموساد الثقافي في المغرب، ويتحمّلون المسؤولية في القتل الرمزي لكثير من الأسماء خلال الخمسين سنة الأخيرة أو اختطافهم ورميهم بعيدًا في ما يشبه الإقامة الجبرية. إنهم يدهسون بلا رحمة كلّ من يقف في طريقهم. مع ذلك، لديهم استعداد رهيب للمناورة في الإعلام وتقبّل النقد في أعلى درجاته. لذلك أحبهم وأعتبرهم أصدقائي مهما اختلفنا في التصوّر بخصوص تدبير الشأن الثقافي. أحبهم، وأكتب في جريدتهم بلا مشكلة.

أما كتابة الشّعر فهي إدمان حقيقي مثل الإدمان على السيجارة والقهوة. أو الهوس بالطعام أو الجنس أو التسوق مثلًا، وغيرها من صوّر الإدمان السلوكي. وهل الشعر عادة؟ مثل عادة المشي أو التفوّه أمام المرآة أو رفع أصبع والإشارة إلى أحدهم بالسوء بلا مبّرر واضح. غير أن كلمة إدمان هي الأنسب لوصف هذا الارتباط الحميمي. لأن الإدمان حالة قهرية يفقد فيها الإنسان السيطرة على نفسه. ويصير، في هذه الحالة، منذورا للشعر مثل الناي للعزف والزمن للدوران والحذاء للمشي.

واصلتُ الشرح لصديقي، وقلت له إن الشّعر موهبة ربانية وانجذاب فطري مثل الغناء وسط بخار حمّام عمومي أو الصفير في الفلوات. والكدح اليومي من أجل العيش. إنه اللعنة التي تصيب أشخاصًا محددين؛ مجانين بالفطرة. ولا بد من تمييزهم عن شعراء طارئين، الذين منهم من تصارح مع نفسه وانتبه إلى أنه في الطريق الخطأ فتوقف بشرفٍ مقبول، وفَتَح مشروعًا آخر في الحياة بعدما فشلت جميع مشاريعه الشعرية. ومنهم من عاند نفسه واستمر في إتلاف الغابة وتحطيم أشجار كثيرة.

تشعر دومًا أن هناك من يتحكم في الكتابة الإبداعية عمومًا، إما البيئة وشروطها أو الدين أو الأسرة. ونُحاسب الكتّاب والشعراء على تآمرهم من أجل استمرار هذه البيئة الثقافية المغلقة. وعلى الإبقاء على علاقة المحاكاة والتقليد في التعامل مع التراث الشعري والسردي أكثر من علاقة الانتهاك والتمرد واقتحام عوالم جديدة. وأوّل خطوة نحو الكتابة الإبداعية تبدأ بتجاوز الجاهز والمستهلك وارتياد مساحات جديدة. بالشعور بدبيب نمل في مختلف أنحاء الجسد و الرغبة في الإفصاح. أن تحلق في سماوات بعيدة ويحدث ألّا تعود إلى الأرض ومشاكل النّاس. وأوّل خطوة في التآمر على الشّعر تبدأ بالاهتمام بالصورة والواجهة الأماميّة والإجهاز على النّص الحقيقي! كما أنّ أول خطوة للتنكيل بالموتى تبدأ بحرق صوّرهم وبعثرة أغراضهم. ماذا لو عاد الموتى وكيف كنّا سنتصرّف في مثل هذه الحالة؟.

كي لا ننسى، أوّل خطوة نحو الثقافة بالمغرب تبدأ ب الاتحاديينوتنتهي إليهم. ولن يرضى عنك الاتحاديون حتى تتبع ملّتهم. وإن كان، في حقيقة الأمر، لا يوجد حاليا في الساحة أحسن منهم. على الأقل نلتقي معهم في الكثير من التصورات وفي اعتبار الثقافة أداةً للتحديث والتحرّر الأيديولوجي بدل تفريخ الإرهاب الثقافي والتضييق على الحريات. وأحسن من الحركيين الذين يعتبرون المحجوبي أحرضان فنانا سورياليا وشاعرًا أيضًا لولا أن شغلته السياسة. وأفضل بكثير من الإسلاميين الذين لا يجمعنا بهم إلا إلقاء السلام وردّه. الاتحاديون عنوان المرحلة، ونشكر الزعماء التاريخيين للاتحاد الذين رحلوا تباعًا في التوقيت المناسب قبل أن تسوء الأمور. وقبل مجيئ هؤلاء الجدد الذين يتحكمون في رقابنا، نحن القطيع وهم الرعاة يسهرون على حمايتنا من الغريب بالعصي والهراوات. نبحث عن الأمان داخل الجماعة وهم يبحثون عن التواجد والتمركز في المواقع بوجود القطيع وصمته. بل يتحدثون باسمه في مصر ولبنان والعالم بأسره. لا يطمئنون إلا لبعضهم، وإن كانوا ليسوا على تآلف تام فيما بينهم. إنهم الإخوة كارامازوففي رواية دوستويفسكي على وجه التحديد، والإخوة الأشقاء الذين تآمروا على أخيهم النبيّ يوسف ورموه في الجب. دمّرهم المخزن سياسيا وترك لهم الثقافة وشؤونها يهشون بها على الأيام. إنّه اليسار الثقافي على كلّ حال!

Loading

Share
  • Link copied
تعليقات ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (Number of characters left) .