تتمة لنقاش المساء؛ إنّ اللغة حمّالة للفكر بشكلٍ أو بآخر. وإنّ فكر اللغة العربية مؤسس على المادة الفقهية بنسبة وافرة. ولم تتخلص الكتابة الإبداعية من تأثير هذا العنصر التراثي (العنصري الفقهي) بالشكل المطلوب.
اللغة حمّالة للثقافة أيضًا، وبتعدد روافدها وعناصرها. وتتأسس العربية على ثقافة مغايرة؛ تتسم بالاندفاع وكثير من العنف. يصرخ الأب على أولاده في البيت. ويصرخ الأستاذ على تلاميذه في المدرسة. والفقيه على المصلين في المسجد خلال الخطبة. إنها ثقافة الصراخ لإثبات الوجود وانتزاع الشهادة والاعتراف. أذكر الأستاذ سي مصطفى، أنعم الله عليه بالصحّة، الذي كان يهرّب صوته من نافذة القسم إلى الخارج كي يسمعه سكان القرية وينال شهادة الاعتراف والقبول.
اللغة تصنع (أو تصوغ؟) المخيلة وتُحفّزها. المخيلة العربية مرعبة وتتسم بالحدس الاستباقي. لغة تتمحور على الذات، ولا تستقبل الجماعة إلا في إطار حضور هذه الذات التي تكتظ بالخرافي والشعبي والغنائي. لذلك مازال الشّعر متفوقا على السرد حين يأتي الحديث عن العربية، عكس الفرنسية التي يتأسس تراثها الأدبي على السرد والثقافة الشعبيّة والمكون الكرنفالي. وإن كنتُ صراحة لم أجرّب يومًا الكتابة بمخيلّة عربيّة. وظاهرٌ أن المتنبي هو أحسن من كتب باللغة العربية لحد الآن. قصائده سبائك ذهب حقيقية، يمدح كأنه صادق، ويهجو كأنه مظلوم. مخيفٌ حين يعتد بنفسه، ومُقنعٌ حين يخاطب الآخرين.
بعد تسع سنوات من وفاة المتنبي؛ وُلد الشاعر أبو العلاء المعري، وهو من أعظم شعراء العربية، ويمكن وضعه، بكل ثقة، في المرتبة الثانية. شاعر فيلسوف في ديوانه “اللزوميات“، والذي يصلح تدريسه لطلاب المدارس العتيقة جنبًا لجنب قصيدة “البردة“. وقد تألق سردًا في كتابه “رسالة الغفران“. وجدير بالإشارة إلى أن المعري كان معجبًا بشعر المتنبي، وكان يُلقبه ب “الشاعر“، والباقي مجرّد متعاطين للشعر.
قبل المتنبي والمعري، يحضر الشاعر طرفة بن العبد. الذي لو طال به العمر قليلًا لصار له شأن آخر. لا أدري لماذا كان طرفة بليدًا بعض الشيء وذهب إلى حتفه بنفسه. وحتى حين أتيحت له فرصة النجاة لم يفعل. إنه عمى البصر والبصيرة. عكس محمود درويش الذي كان نبيهًا وعَرَف كيف يجعل القضية الفلسطينية خدمة للقصيدة، وليس العكس. ويمكن أن نذكر في السّرد الكاتب عبد الحميد وأسلوبه المسكوك مثل قطع أثرية، وقد أثنى عليه طه حسين في كتابه “من حديث الشعر والنثر“. غريب أن طه حسين بدأ ثائرًا وباحثًا مشككا “في الشعر الجاهلي” وانتهى به المطاف وزيراً للتربية والتعليم ببذلة رسمية ونظارات سوداء. لا أحد يستطيع التكهن أين ينظر الرجل وفيمَ يفكر؟
وقد تطوّرت اللغة الفرنسية عندما انفصلت عن الكنيسة، فجدّدت عدّتها وآلياتها. فصار اللغويون يعقدون مؤتمرهم السنوي بانتظام، ويرفدون القاموس الفرنسي بكلمات جديدة. إنها لغة حيّة حقا. بينما يقف مجمع اللغة العربية، إن كان مجمعٌ لغويٌّ بهذا الاسم مازال موجودًا، موقف الحارس الأمين والصارم تجاه اللغة. مع ذلك، لا تخلو العربية من سحرٍ؛ من الوجه الظاهر والخفي للكلمات. من تفرّع الكلمات واشتقاقاتها. من سحر التركيب لمن يستوي لهم اللسان. إنها لغة الشّعر بامتياز وتجدّ كي تثبت نفسها في السرد والكتابة الروائية على وجه الخصوص.
خلافًا للعربيّة والفرنسية، تستقوي الأمازيغية بالتراث الشفهي. وهو تراث غير مدوّن ومعرّض للتلف. وإنّ الشعر الأمازيغي ثري جدا، بيد أن طابعه الشفوي أضرّ به في الصميم. إن كان الحديث عن السخرية والمشهدية والتصوير الشعري؛ فإنما هذه أساليب وطرائق الكتابة. أما المخيّلة الشعرية؛ فهذا شأن آخر، ومن صنيعة المجتمع والبيئة. ويصعب رصد عناصر التخييل وروافده في النص الشعري العربي. إذْ هناك قصائد مكتوبة بمخيلة كردية وأخرى بمخيلة فارسية أو أمازيغية أو لا أدري. لذلك يصعب اقتحام القصيدة من باب التخييل، ويبقى كلّ ما كُتب في هذا الباب مجرّد اقتراحات نقدية. الناقد هو الكائن الوحيد الذي يشوّش على القصيدة ويشيع عنها ما لم تقله.
اللغة وعاء للمخيلة، والشّعراء بمخيلتهم !
![]()
