كثيرة هي الأحداث التاريخية التي وقعت في مختلف ربوع المغرب ، خاصة تلك المرتبطة بمقاومة الاستعمار الفرنسي ، فالمقاومة المغربية خاضت معارك ضارية ضد هذا المحتل ، واستطاعت هزمه في مواقع عدة ، وكلها أفضت في النهاية بالموازة مع المسار السياسي والتفاوضي إلى حصول المغرب على استقلاله ، لكن ما يلفت الانتباه حقيقة في كل هذا ، هو أن الكثير من المؤرخين والباحثين في تاريخ المقاومة المغربية ، غالبا ما يركزون اهتمامهم على المعارك الكبرى وذكر الشخصيات التاريخية الكبيرة التي كانت تتزعم تلك المقاومة حتى أصبح الجميع يحفظ أسماءها عن ظهر قلب ، والواقع أن هناك أحداث ومعارك أخرى لم تنل حظها الكافي من الدراسة والاهتمام ، وبقيت مطمورة في إسار التهميش ، تنتظر من يخلصها من أقمطة النسيان ويثير عنها نقع اللا مبالاة والاستصغار ، ومن هذه المعارك بالخصوص نذكر معركة “الطويجن” التي من المؤكد أن الكثيرين لم يسمعوا عنها شيئا ، وهي جزء من مقاومة قبيلة ” آيت حكم” المنضوية حاليا ترابيا تحت جماعة “تيداس“، ضد المستعمر الفرنسي الغاشم ، وهي ليست معركة حربية وحسب ، وإنما هي ملحمة بطولية ابان فيها رجالات قبيلة ايت حكم عن شجاعة وشهامة وقوة قتالية عز نظيرها ، أدخلت القوة العسكرية الفرنسية المنوط بها هزم مقاومة ايت احكم إلى دائرة الشك ، وأرغمتها على إعادة ترتيب أوراقها ومراجعة حساباتها ، إذا أرادت تدمير المقاومة الحكماوية والقضاء عليها .
يعود الفضل في إخراج تفاصيل وأحداث و فصول معركة الطويجن إلى دائرة الأضواء إلى الدكتور ” ياسين القادري ” الذي أفرد بشأنها كتابا خاصا ، يميط فيه اللثام ويكشف فيه النقاب عن مختلف الجوانب الدقيقة المحيطة بالمعركة التي وقعت في 2ماي 1912 أي أشهر قليلة بعد توقيع الحماية (مارس 1912) ، التي أدخلت المغرب تحت الاستعمار الفرنسي ، ولا شك أن اهتمام الجيش الفرنسي بهذه المنطقة ومحاولة إخضاعها بهذه السرعة يحمل أكثر من دلالة ، وينطوي على أكثر من بعد ، والمسألة لم تكن عبثية بالمطلق من طبيعة الحال . لقد قام الدكتور ياسين القادري بمجهود كبير في البحث في ثنايا المصادر التاريخية لتجميع معلومات متناثرة كافية حول هذه المعركة ، هنا وهناك سواء في المصادر التاريخية المحلية أو الأجنبية ، وذلك لإعطاء صورة شاملة للمهتم وللقارئ الباحث عن معركة شديدة الضراوة وقعت في ظروف غير عادية بالنسبة للمستعمر الذي كان يعتقد أن توغله في قبائل الأطلس المتوسط سيكون سهلا ويسيرا ، خاصة حينما استطاع استمالة بعض القبائل المتحالفة معه ، لتعبيد الطريق ولتسهيل المأمورية لتكريس الهيمنة والتقدم إلى الأمام في اتجاه قبائل “زيان” ، وكان يعتقد أن إحراق الحقول الزراعية وتجويع القبيلة ونهب مواشيها وخيراتها ، سيعجل باستسلام آهاليها وبالتالي سيضعون أسلحتهم أرضا ، لكن كل هذه التخمينات والتكهنات ذهبت أدراج الرياح ، حين استفاق على هول المفاجأة ، ووجد نفسه أمام رجال غلاظ شداد لا يخشون في حمل السلاح والبنادق والدفاع عن أراضيهم وعن الوطن لومة لائم ، رجال لا يعرفون معنى للموت استرخصوا أرواحهم للدفاع عن بلدهم ، إلى درجة اعتبر فيها العقيد” لويس فوانو ” أن معركة الطويجن ستبقى نقطة سوداء في سيرة الجيش الفرنسي على مر التاريخ ، خاصة إذا علمنا أن الخسائر التي خلفتها هذه المعركة كما جاء على لسان الفرنسيين أنفسهم 17قتيلا و28جريحا متفاوتة الخطورة . إن من بين الأخطاء الاستراتيجية التي سقط فيها الجيش الفرنسي في مداهمته لمنطقة آيت احكم هو استصغاره لرجالاتها واحتقارهم ، والاستهانة بهم ، واعتبارهم لقمة صائغة ، والقضاء عليهم مسألة وقت فقط ، فبنى لنفسه وهما سرعان ما سيتبدد على أرض الواقع ، حينما سيظهر أبناء قبيلة آيت حكم ضراوة وشجاعة وبسالة منقطعة النظير في مقاتلتهم له ، مما جعل هذا الجيش المدجج بأحدث الأسلحة يراوح مكانه ، وكاد أن يفقد السيطرة على الوضع أحيانا كثيرة ، حسب ما جاء على لسان القبطان ” سيكالدي ” الذي اعترف أنه يواجه أصعب مقاومة قبائلية ، وأنه يواجه مصيرا غامضا أمامها ، إلى درجة وصفها بالمتوحشة ، وكانت كفة المعركة تميل بين الفينة والأخرى لصالح المقاومة الحكماوية التي أربكت الخصم وجعلته يتراجع إلى الوراء غير ما مرة لاستجماع قوته ، وإعادة رسم خطة بديلة للمواجهة والحسم ، لكن دائما يجد نفسه في مواجهه خصم عنيد مستعد و متأهب تأهبا شديدا ، تحذوه نزعة فطرية إلى الحرية والاستقلال كما صرح بذلك الجنرال ” كيوم” ، وما زاد حقيقة من تعقيد المأمورية، بالنسبة للجيش الفرنسي في مهمته العسكرية هاته صعوبة ووعورة تضاريس المنطقة ، في الوقت الذي استطاعت المقاومة الحكماوية استثمار هذا المعطى الطبيعي أحسن استغلال سواء المشاة منهم أو الفرسان ، وأذاقوا العدو مرارة القتال ، وكبدوه خسائر كبيرة ، كانت المعركة حامية الوطيس ، وبين كر وفر ، الا أن سقوط القتلى في صفوف الجيش الفرنسي ، وخاصة الملازم “جاستون ماسكارات ” ، كانت هي النقطة التي أفاضت الكأس ،وشكلت نقطة تحول كبيرة في هذا الاصطدام القوي ، وضربة قاصمة لكبرياء الجيش الفرنسي الذي لم يستسغ سقوط الضحايا بهذه الشاكلة ، فكانت قاب قوسين أو أدنى من الهزيمة ، مما جعله يطلب تعزيزات عسكرية ولوجيستية فورية إضافية ، كانت كفيلة بإرغام المقاومة الحكماوية على التراجع شيئا ما إلى الوراء ، وفتح المجال للجيش الفرنسي للتقدم شيئا فشيئا إلى الأمام في اتجاه قبيلة “آيت علا“، لكن في طريق محفوفة بالمخاطر و ممرات مفخخة وغير أمنة بالمرة ، حيث صوت الرصاص يلعلع في السماء ، وصوت البنادق يخترق صفوف القوات الفرنسية ، الذي تملكه الخوف والرعب ، وهو يمر من مناطق مقفرة وصعبة التضاريس ، والمقاومون برباطة جأش وشراسة نادرة ،يخرجون من كل مكان ، من الشعاب والوديان ومن وراء الجبال والهضاب ، وقبل وصول القوات الفرنسية إلى قبيلة آيت علا ” كمحطة موالية للتوغل في المجال الحكماوي بالكامل، والسيطرة عليه ، حدث اصطدام عنيف بينها وبين المقاومة في منطقة ” أليلي ن بوح ” وهو كمين محكم كاد أن يعصف بجبروت القوات الفرنسية التي واصلت المسير إلى أن وصلت إلى منطقة” بوملال ” مرورا “بدخمو” ، حيث هناك كانت على موعد مع فصل آخر من فصول القتال مع مقاومة شديدة المراس تتقدمها بعض الأسماء كما جاء في كتاب ياسين القادري (أمعي بن محمد، عبدالقادر بوملال ، حدو خنوس ، البوهالي، سيدي عمر …) ، وهكذا اعتبرت هذه المواجهة استمرارا للمواحهة الأولى بمنطقة الطويجن ، لقنت فيها المقاومة الحكماوية درسا بليغا في القتال للجيش الفرنسي بأسلحة بسيطة لكن بإرادة وعزيمة لا تقهر ، ونظرا لكون القوات الفرنسية تتوفر على أسلحة متطورة وعدد كبير من الجيوش المدرية ، وعوامل أخرى ، فإن ذلك فرض عل مقاومة آيت حكم التراجع إلى الوراء ، وإخلاء الساحة ، لكن دون أن يعني ذلك أنها استسلمت استسلاما تاما ، أو رفعت الراية البيضاء ، أمام هذه القوات ، ويقيت فكرة دحض هذا المستعمر ومقاتلته حتى يتم الحصول على الاستقلال أمر حاضر على الدوام في أذهانهم ، لم يفارقهم أبدا ، حيث بين الفينة والأخرى كانت تتم مباغثة قواته بعمليات فدائية غالبا ما تترك وراءها قتلى في صفوفها وتخلف اثرا عميقا وبليغا في نفسها ،
لقد كان الهدف من السيطرة الميدانية على تراب قبيلة آيت حكم هو توفير شروط الاستقرار للجيش الفرنسي في المنطقة وتأسيس مركز عسكري فيه لمراقبة كامل التراب الحكماوي ومعه المجال الزموري الشاسع بصفة عامة من طرف العقيد “بلوندلا “، رغم أن هناك رفض لهذه العملية في البداية من طرف كبار الجيش الفرنسي كالجنرال “فرانشي ديسبيري“، لكن في النهاية ولظروف معينة تم قبول الفكرة فتم إنشاء ثكنة عسكرية رسميا في مركز تيدارس في نوفمبر 1912التي كانت وظيفته كما أسلفنا الذكروظيفة عسكرية لمراقبة مجموع قبائل منطقة زمور .
رغم أن الأستاذ القادري ياسين في هذا البحث الشاق حاول أن يكشف على خيوط وملابسات معركة الطويجن ، انطلاقا مما هو متاح له من معلومات ومعطيات استقاها كما أومأنا إلى ذلك آنفا من مصادر تاريخية محلية واجنبية ذات خلفية كولونيالية ، الا أنه من دون شك لا تزال هناك بعض التفاصيل الأخرى التي لم يكن بالإمكان الوصول إليها أو إزالة الغطاء عنها بهذا الخصوص ، وهذا ما يجعل العودة والحفر عميقا في هذه المرحلة التاريخية من المقاومة وتقليب التربة التاريخية بشكل عميق أمرا في غاية الأهمية ، يمكن أن يكشف لنا أسرارا كثيرة مرتبطة بهذه المعركة بالتحديد ، التي يبدو أنها تكتنفها بياضات كثيرة وحلقات مفقودة عديدة ، وجدير بنا أن نذكر بعض الأمثلة على سبيل الذكر لا الحصر حول هذه الحلقات المفقودة ، أولا كان لزاما التحري والتدقيق في الأسماء التي ورد ذكرها في مواجهة (بوملال) وذلك بالاستعانة بالرواية الشفهية في هذا الشأن ،ثانيا عدم ذكر أسماء القبائل التي تحالفت مع العدو ، وعدم ذكر ولا إسم واحد من مقاومي معركة الطويجن ، ولا إسم واحد أيضا من أبناء القبيلة الذين حاربوا إلى جانب القوات الفرنسية ، وكانوا يرمون أبناء المقاومة من بني جلدتهم غير ما مرة بالرصاص كما توضح الكتابات الفرنسية في هذا السياق ، ناهيك عن شح كبير في المعلومة عن نزال ” أليلي ن بوح” الذي تمت الإشارة إليه كأنه حدث عابر ، وفي النهاية لم تكن هناك إشارة كافية حول إلى ما آلت إليه المعركة في النهاية وما ترتب عنها لاحقا.
![]()

تعليقات ( 0 )