تقديم (رواية الولي الطالح بوتشمعيث)

رواية ( الولي الطالح بوتشمعيث) تتناول أحداثا حقيقية مستمدة من الواقع وتتعرض لأدق التفاصيل اليومية لشخصيات اكثر خبثا ومكرا وحقدا يعيشون بيننا يتنفسون نفس الهواء يحملون ملامح الإنسان لكنهم في العمق طفيليات حربائية متسلقة ، تصارع بين الوجود والعدم ، بين الموت الطبيعي والموت الاجتماعي ، بين الأنا المحركة والمتحكمة في التصرفات المتضاربة والمواقف الملتبسة والآخر الذي يشكل الحاجز والمفرمل للتطلعات والتقدم الى الإمام للارتواء من المال العام خارج القانون.

البطل( بوتشمعيث) يعيش حربا مستعرة بين الواقع الاجتماعي الشقي والواقع النفسي المهزوم بسبب الجهل والإحساس بالدونية والرغبة الأكيدة والعميقة في الارتقاء ومجالسة علية القوم والخوض في النقاشات الجادة والهادفة وتمييعها بالإسقاطات وتحويل الالتزام بالقضايا الهامة والمصيرية إلى النهش في أعراض الخصوم باستعمال عبارات فجة ووقحة ، فالبطل طفيلي يعيش جوعا جسديا لاستحالة ربط علاقة عاطفية مع الجنس اللطيف والاكتفاء بالعاهرات لتلبية الرغبات الجنسية، فالنزوات تخضعه للانتقاء والإفراد ناهيك عن الانحباس الفكري الذي يصعب عليه الاندماج والتمازج مع الطبقات الأخري التي تحسن الحديث وطرح الافكار، الى جانب معاناته من صراع اخر اعمق بين الفهم السياسي الضيق والغائب لمعنى المسؤولية التعاقدية والمختزلة في الاثراء غير المشروع والتنافس المحموم على اقتطاع النصيب من كعكة اموال الشعب المستباحة عبر شراء الولاءات وخلق التكتلات الهجينة وتغييب الفهم الديمقراطي تنفيذا لتعليمات الاقطاعي الذي من مصلحته تعويم النقاش وخلق الاذناب مما يعكس بجلاء الارتكاسات الحزبية التي تفتح الابواب للمرتزقة وتجار الذمم والمتلونين والباحثين عن الحماية بالتقرب من اجهزة الحكم مما قوض دور المناضل المبدئي في المجتمع الذي من المفروض ان يحمل رسالة تنويرية وتربوية تخدم مصالح الشعب الانية والمستقبلية .

بوتشمعيث بطل الرواية تمتزج فيه كل اساليب الحقارة والوضاعة والدناءة والخيانة، مستعد ان يفعل اي شيئ في سبيل الترقي الاجتماعي والتقرب من رموز الفساد السياسي باعتبارهم المثل الاعلى و الوسيلة الوحيدة لتغيير الوضع المهين الذي طبع سنوات عمره المثقل بتصدعات نفسانية شديدة وانتقاله من حرف وضيعة الى اخرى بحثا عن الذات، وفي سبيل تحقيق مبتغاه تربص بالإقطاعي شحموشاط الذي يعد نموذجا لسياسي انتهازي تحوم حول ثرواته جميع انواع الشبهات كما ان مستواه التعليمي ضعيف ولا عجب ان المحيط المقرب جدا من نفس العينة يفتقرون الى الكرامة و الهوية والضمير وبعد النظر ليس بينهم مصباحا يضيء العتمة ويوقظ التابعين من السلبية التي تهدد مستقبل الاجيال القادمة.

شحموشاط صاحب النفوذ المالي والكلمة المسموعة لدى السلطات والرجل القوي في الحزب المخزني الذي لا يمتلك اية مرجعية فكرية ولا أيدولوجية ولا تنظيم محكم ولا تصور مستقبلي، فالحزب اشبه بالزاوية او مزار سنوي يفتح الابواب على مقربة من الاستحقاقات الدستورية ثم تغلق ابواب المقرات.

شحموشاط قرب بوتشمعيث الذي يعد نسخة طبق الاصل وصورة مصغرة منه وان اختلفت المستويات الاجتماعية ، مكنه من حظيرة الخيول بعد سنوات من التمرين وترويض الاحصنة واظهر الولاء التام والطاعة العمياء منحه تزكية في الانتخابات ليصبح مستشارا في جماعة قروية ثم ساعده الايمن ثم محاورا ومتحكما في لوائح الترشيحات عبر الاقليم.

ظهور امثال بوتشمعيث في الساحة السياسية ضربة قاسية للمناضلين والكوادر الحزبية الوطنية والتقدمية التي قدمت تضحيات جسام في سبيل انارة الدروب المظلمة في الوطن المرتهن للوبيات سياسية واقتصادية تمص دم الشعب المقهور وتحارب كل اشكال التوعية والفضح بجميع الوسائل المشروعة وغير المشروعة مما ساهم في استبخاس النضال الحقيقي وتحطيم القيمة الرمزية للمثقف النوعي الذي اضمحل صوته وغيب بشكل تام بعد هجمة الكائنات الهلامية ووضع في خضم معادلات مبتذلة قلصت مساحته وحقه في التعبير والنقد والتحليل.

في الزمن الرديء السياسي المثقف و الواعي في الوطن المهرب يتعرض لحالات المحو والسحق الإنساني البشعة لان الجهات المتحكمة في المشهد العام تشجع صعود الجهلة والقوادين والمنافقين الى مسرح الحياة ليمارسوا القمع والسحق وفرملة الاصوات المنادية بالتغيير وتخليق الحياة العامة والتقسيم العادل للثروات وعدم الافلات من العقاب ومنع التحكم في الثروات البشرية والطبيعية، فالدولة بعدما انسحبت من الساحة بفعل الصراع الطويل مع احزاب الصف الوطني والديمقراطي والذي انتج تداعيات حقوقية دفع الدولة الى الاعتراف بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان في سنوات الرصاص وجبر الضرر الجماعي لعائلات الضحايا ، فبدل ان تكون في الواجهة تصنع ادوات القمع وتمنحها الشرعية لتمارس ادوارا قذرة وتملي الشروط عبر الابواق دون ان تظهر في الصورة ويتم اسقاط القمع والسحل وتكميم الافواه ومنع حرية التعبير على مشجب التنافس و الصراعات السياسية.

فالاختراق الذي تعرض له المجال السياسي تعرضت له باقي المجالات العلمية والفكرية والرياضية والفنية…. ساهم في تدني الوعي الجماعي وظهور بتور تزيد من تأزيم الوضع وتنشر الاتكالية واللامبالاة والعزوف عن الانخراط في الفعل السياسي.

بوتشمعيث نموذج للجاهل الذي لا يعرف فك شيفرة الحروف اقتحم المجال السياسي واستطاب له الولوج الى المجاهل والتغلغل في دهاليز تسيير الشأن المحلي الذي لا يبرح رفع الايدي والتصفيق والتحريض ضد الاخر وتبخيس أراءه، لقد وجد الظروف مهيأة ومناسبة بسبب تفكك بنية المجتمع الواعي وانهيار وتفتت الاحزاب الوطنية وساقته الظروف بسبب القرب من رموز الفساد المالي والسياسي الى التحكم في المتعلم الطامع وتحويله الى تابع مستسلم منقاد.

ان السماح بوجود الامية في مؤسسات الشعب مشكلة قائمة تحتاج الى تعبئة شعبية جماعية لتغيير القوانين فلا يعقل ان تسند مهمة تمثيل الساكنة الى شخص لا يعرف القراءة والكتابة ويتطلع الى التنمية المستدامة .

Loading

Share
  • Link copied