لم يعد الاعتداء على الصحافيين حادثا عابرا او اعتباره حالة ضمن حالات الاعتداء ولا يمكن إدراجه ضمن أخبار العنف اليومية، بل صار مؤشرا خطيرا على هشاشة وانعدام والتضييق على حرية التعبير داخل المجتمعات التي تخاف وترهبها الكلمة أكثر مما تخاف الجريمة نفسها التي تؤدي الى احداث اضرار جسيمة على الضحايا . وعندما يتحول السكين إلى وسيلة لإسكات صحافي اعزل الا من القلم ، فإن الأمر يتجاوز الاعتداء الجسدي ليصبح محاولة واضحة لاغتيال الحقيقة ودفعه الى الصمت والانعزال والانطواء وتكسير القلم ، وبث الرعب في كل من يختار الاقتراب من الملفات الحساسة أو كشف المستور في طرق التربح غير الشرعي والاختلاس والتزوير واستغلال القانون لخدمة الاطماع الخاصة.
الصحافي الحقيقي نذر نفسه للانخراط في إصلاح المجتمع لا يحمل سلاحا، بل يحمل سؤالا يطارد الوقائع، ينقل معاناة الناس ويتكلم بصوتهم ، ويضع الضوء فوق المناطق المعتمة التي يفضل البعض أن تبقى مغلقة. لذلك يصبح مستهدفا من قطاع الطرق وعصابات الظلام كلما اقترب من شبكات الفساد المستشرية في الوطن ، أو كشف تناقضات السلطة التي تشتغل خارج القانون ، أو منح الهامش صوتا لا ترغب القوى المتنفذة في سماعه. فاستعمال السكين ليس مجرد أداة عنف او اضطهاد ، بل رسالة ترهيب تقول بالوضوح : “اصمت… أو سيكون المصير أكثر قسوة”.
إن الاعتداء على صحافي بسبب عمله المهني الصرف يمثل اعتداء على المجتمع كله، لأن الصحافة المستقلة والمحايدة ليست ملكا لأصحابها ولا لرجالات الاعلام الشرفاء والنزهاء، بل حق جماعي في المعرفة وكشف بؤر الفساد. وحين يخاف الصحافي المشاكس والمبدئي على حياته، تبدأ الحقيقة نفسها في الاختباء، ويتحول الخوف إلى رقابة غير معلنة. والرقابة في نظرنا أشد خطورة من القوانين المقيدة للحريات. فالكلمة التي تنتزع بالعنف تترك فراغا كبيرا داخل الوعي العام، وتفتح المجال أمام الإشاعة والتضليل والهيمنة.
المؤلم في الاعتداء على الصحافي ان هذه الوقائع ليس الجريمة وحدها، بل اعتياد الناس على اسكات اصوات الحق بالعنف. فكلما تكررت الاعتداءات دون محاسبة صار العنف لغة مألوفة بمارسها رموز الفساد السياسي والمرتزقة ، وهنا يتحول الصحافي من ناقل للخبر إلى مشروع ضحية مؤجلة. لذلك فإن حماية الصحافيين ليست امتيازا لفئة مهنية، بل ضرورة أخلاقية وقانونية لضمان استمرار المجتمع في رؤية نفسه بوضوح بل يعيش على التعتيم المقصود وطمس الحقيقة.
إن استعمال السكين قد يجرح الجسد ويتسبب في ندوب عميقة ، لكنه لا يستطيع قتل الفكرة والمبادئ الانسانية الراسخة والمتجدرة . فالتاريخ أثبت أن الأصوات الحرة، مهما تعرضت للقمع، تظل قادرة على العودة من بين الخوف، لأن الحقيقة بطبيعتها عصية على الذبح. وما يحتاجه الواقع اليوم ليس المزيد من الصمت، بل بيئة تؤمن بأن الاختلاف لا يواجه بالعنف، وأن الكلمة ينبغي أن تُجابَه بكلمة، لا بطعنة.
الحسان عشاق
![]()

تعليقات ( 0 )