في مساء الثامن من ماي 2026، كانت تفصل الروائي والكاتب الصحافي الحسان عشاق، عضو الفرع الإقليمي للنقابة الوطنية للصحافة المغربية، خطوات معدودة عن منزله بعد عودته من مقر عمله. لم يكن يعلم أن نهاية يومه لن تكون ككل الأيام، وأن السكاكين ستعترض طريقه، في مشهد بدا وكأنه إعلان مؤلم عن زمن أصبحت فيه الكلمة الحرة تدفع أثمانا باهظة.
على بعد أمتار قليلة من منزله، باغتته يد غادرة بطعنة بالسلاح الأبيض، ليسقط مضرجا بدمائه، وينقل إلى المستشفى المحلي، قبل تحويله إلى الرباط لتلقي العلاجات الضرورية. ولم يكن الاعتداء مجرد حادث معزول، بقدر ما شكل صدمة داخل الأوساط الثقافية والإعلامية، وأعاد إلى الواجهة سؤالا مؤرقا: كيف وصلت الأمور إلى مرحلة أصبحت فيها السكاكين بديلا عن الحجة، والعنف وسيلة لمواجهة الكلمة؟
ومع مرور شهر على الواقعة، لم يعد السؤال مقتصرا على هوية المنفذين أو المتورطين المحتملين، بقدر ما أصبح مرتبطا بالمناخ العام الذي يسمح للعنف بأن يتمدد، ويجعل أصحاب الفكر يعيشون تحت وطأة القلق والخوف.
وقبل أن تستفيق الأوساط الثقافية والإعلامية من صدمة الاعتداء على الحسان عشاق، وجد الكاتب والصحافي حسن نطير، عضو الفرع الإقليمي للنقابة الوطنية للصحافة المغربية، نفسه أمام واقعة أخرى، بعدما تعرضت سيارته للسرقة، بما كانت تحتويه من حاسوب شخصي، ووثائق جمعوية وإدارية، وشيكات وأختام ومستندات مختلفة.
غير أن ما زاد من حجم الصدمة، لم يكن فقط واقعة السرقة، وإنما ما رافقها من رفض تسجيل الشكاية بمصلحة المداومة، الأمر الذي خلف استياء كبيرا، بالنظر إلى أن مثل هذه الحالات تتطلب السرعة والتفاعل الفوري، لأن عامل الزمن يظل عنصرا حاسما في تعقب الجناة واسترجاع المسروقات.
وفي الوقت الذي كان الضحية ينتظر مباشرة الإجراءات القانونية، كان الانطباع السائد لدى عدد من المتابعين أن أي تأخير أو تعقيد في استقبال الشكايات يمنح اللصوص هامشا إضافيا للمناورة، ويؤثر سلبا على صورة المؤسسة الأمنية لدى الرأي العام، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا تمس أمن المواطنين وممتلكاتهم.
ورغم اختلاف طبيعة الحادثتين، فإنهما أعادتا إلى الواجهة شعورا متناميا لدى العديد من المثقفين والفاعلين الجمعويين والإعلاميين، مفاده أن أصحاب الأقلام أصبحوا يعيشون وسط مناخ لا يخلو من القلق، في مدينة تتراجع فيها المساحات الآمنة، وتتزايد فيها مظاهر العنف والسرقات والاعتداءات.
لم تكن الخميسات تختلف كثيرا عن غيرها من المدن المغربية الصغيرة. من بعيد، تبدو هادئة، تنام على إيقاع الخطب الرسمية، وتصحو على وعود التنمية، وتعيش على أخبار المشاريع والاحتفالات والمناسبات. لكن خلف هذا المشهد، كانت مدينة أخرى تنمو بصمت، مدينة تخشى الأسئلة، وتضيق ذرعا بمن يرفع الغبار عن زواياها المعتمة.
في هذه المدينة، لم يكن المثقفون يصنعون الأزمات، بل كانوا مجرد مرايا تعكس ما يراه الجميع ويتجنب كثيرون الحديث عنه. غير أن المرايا، في الأماكن التي اعتادت التعايش مع القبح، تتحول إلى مصدر إزعاج.
كان حسن نطير يصر على ممارسة دوره المهني، متتبعا قضايا الشأن المحلي، ومتسائلا عن ضعف البنيات التحتية، وعن البناء فوق الملك العمومي، وعن ملفات أثارت الكثير من الجدل، من بينها قضايا البيئة والفن و الفلاحة و سوء تدبير بعض الملفات كتفويت بعض المباني والعقارات في ظروف تثير أكثر من علامة استفهام .
أما الحسان عشاق، فكان يؤمن بأن الثقافة ليست ترفا، وأن الكلمة الحرة ليست جريمة، وأن المجتمع الذي يفقد مثقفيه يفقد جزءا من روحه.
لكن المدينة التي تتسع للتفاهة، تضيق غالبا بالفكر.
وخلال السنوات العشر الأخيرة، تراجع حضور العديد من الأصوات المدنية والنقابية والجمعوية المطالبة بالإصلاح، وسط شكاوى متزايدة من ممارسات هدفت إلى إضعاف المبادرات الاحتجاجية والنضالية وتشويهها، أو الدفع بها نحو الانكفاء والصمت، وهو ما أفقد المجال العمومي جزءا مهما من حيويته، وحرم المجتمع من أحد أهم شروط التوازن والتصحيح.
وفي المقابل، كانت مظاهر أخرى تتمدد بهدوء. الاعتداءات تتكرر، والسرقات تتزايد، والأسلحة البيضاء أصبحت جزءا من يوميات الشارع، فيما أخذ الإحساس بالأمن يتراجع لدى المواطنين الذين باتوا يتساءلون عن مدى قدرة المؤسسات على حماية الأفراد والممتلكات وضمان الطمأنينة داخل الفضاء العام.
فالمؤسسة الأمنية المتقدمة لا تقاس فقط بعدد المقرات أو المركبات أو الموارد البشرية، وإنما بقدرتها على جعل المواطن يسير مطمئنا، وبسرعة تفاعلها مع شكاياته، وبإحساسه بأن القانون حاضر لحمايته، لا أن يتحول الانتظار والتأخير إلى فرصة تمنح المجرمين مزيدا من الوقت للإفلات أو المناورة،فالمدن لا تنهار عندما يقل المال، بل عندما يصبح أصحاب الفكر غرباء فيها ولا تسقط حين تتآكل طرقاتها، بل حين تتآكل ثقة الناس في المؤسسات، وحين يشعر المواطن بأن صوته لم يعد قادرا على إحداث الفرق.
لقد كانت الخميسات، وما تزال، في حاجة إلى من يحبها بما يكفي ليقول الحقيقة، لا إلى من يزين جراحها بالمديح ،فالروائي لا يحمل سلاحا،والصحافي لا يقود جيشا، والمثقف لا يملك سوى الكلمات،لكن يبدو أن الكلمات، في بعض الأمكنة، تزعج أكثر من السكاكين.
وحين تتحول الحقيقة إلى عبء، والثقافة إلى تهمة، والاحتجاج إلى مخاطرة، والصمت إلى وسيلة للنجاة، يصبح الخوف هو الكاتب الحقيقي للمشهد العام ،ويبقى السؤال معلقا فوق المدينة: من سيبقى ليدافع عن العقل، إذا أصبح أصحاب الأقلام أهدافا، وأصبح أصحاب الضجيج هم سادة المشهد.
![]()

تعليقات ( 0 )