الرقص على الجراح.. مشروع نضالي يتبلور في إقليم الخميسات

في إقليم الخميسات المنطقة المهمشة لم تعد الجراح مجرد ندوب صامتة على جسد اقليم أنهكته سنوات التهميش والأقصاء الاجتماعي والهشاشة والفقر والوعود المؤجلة، إنما تحولت المنطقة إلى منصة للرقص السياسي والاجتماعي حيث يتقن البعض فن الظهور فوق الأزمات أكثر مما يتقنون فن معالجتها.

فكلما تعمقت معاناة الساكنة وارتفعت أصوات المطالبين بالتنمية والعدالة المجالية خرجت علينا مواكب من المتحدثين باسم الشعب، يحملون شعارات براقة ويجيدون التقاط الصور أمام المشاريع المتعثرة والطرقات المهترئة والمؤسسات العمومية التي تنتظر الإنقاذ إنه مشهد يتكرر باستمرار دون خجل ولا حياء ، جراح مفتوحة، وخطابات منتفخة، ووعود تتكاثر أكثر من الحلول.

لقد أصبح الرقص على الجراح في بعض الأحيان مشروعا نضاليا قائما بذاته، لا يبحث عن معالجة أسباب الأزمة بقدر ما يبحث عن استثمارها لخدمة السلطات الاقليمية والتوجهات السياسية ورموز الفساد الاداري. فهناك من اكتشف أن المأساة يمكن أن تتحول إلى رأسمال سياسي، وأن معاناة المواطنين قد تصبح مناسبة موسمية للظهور الإعلامي باللجوء الى نكافات مواقع التواصل الرقمي لتمرير المظلومية لكسب التعاطف وحجز موقع متقدم في سباق المصالح.

والغريب أن هذا الرقص لا يتوقف عند حدود السياسة، بل يمتد إلى بعض الفضاءات الجمعوية والحقوقية التي تجد نفسها أحيانا أسيرة منطق البيانات والندوات والصور التذكارية واستنفار الصراصير المندسة في الاعلامية لتلميع العفن وكتابة مقالات على الازدهار والتقدم والاصلاح والتغيير الذي لا يوجد الا المخيلات وفي الذكاء الاصطناعي الذي لا يحتاج الا الى نقرة من الجاهل ليقدم خدمة مؤدى عنها لتجار الوهم، بينما تبقى الملفات الحقيقية عالقة بين رفوف الإدارات ومكاتب المسؤولين. فالقضية لم تعد فقط في وجود المشاكل، بل في وجود من اعتادوا التعايش معها لأنها تمنحهم مبررا دائما للاستمرار في المشهد.

غير أن ساكنة الخميسات التي راكمت تجربة طويلة مع الخطابات الموسمية باتت أكثر قدرة على التمييز بين النضال الحقيقي والاستعراض المناسباتي. فالنضال والاعلام الحقيقي ليسا مهرجانا للكلمات، ولا مسابقة في إطلاق الشعارات وبرنقة العفن،انه قدرة على تحويل المطالب إلى مكتسبات، والاحتجاج إلى نتائج ملموسة، والغضب الشعبي إلى قوة اقتراح وتغيير.

إن الإقليم اليوم في حاجة إلى مشروع تنموي حقيقي يضع حدا لمسلسل الانتظار الطويل، ويعالج ملفات التشغيل والبنية التحتية والصحة والتعليم والعدالة المجالية. أما الاكتفاء بالرقص فوق الجراح فلن يؤدي إلا إلى تعميقها، لأن الألم الذي يتحول إلى فرجة يفقد معناه الإنساني ويتحول إلى مادة للاستهلاك السياسي وضغط قوي قد يولد الانفجار في اية لحظة.

ويبقى السؤال الأساسي في الصورة العامة معلقا ويحتاج إلى الإجابة الصريحة متى يتوقف بعض الخفافيش وطابور ( العام زين) عن الرقص فوق جراح الخميسات و يبدأون العمل الجاد من أجل تضميدها؟ فالتاريخ لا يخلد الراقصين فوق الأزمات والمبرنقين والمزيفين للحقائق، بل يتذكر أولئك الذين امتلكوا الشجاعة لمعالجتها.

Loading

Share
  • Link copied
تعليقات ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (Number of characters left) .