ارتفاع الجريمة بالخميسات وسؤال… من يحاسب من…؟

ليس أخطر على المدن التي ترتفع فيها معدلات البطالة من أن تفقد احتكارها للسلطة الشرعية داخل المجال الحضري. فحين تتراجع هيبة القانون وتتمدد شبكات الجريمة وتتحول بعض الأحياء إلى مناطق نفوذ لعصابات أو مروجي مخدرات أو أصحاب سوابق واوكار الدعارة واستعمال السلاح الابيض لاعتراص سبيل المارة ، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد ارتفاع عابر في مؤشرات الجريمة انما بمؤشر سياسي واجتماعي عميق يكشف وجود خلل في منظومة التدبير و الحكامة.

الأمن ليس مجرد دوريات تجوب الشوارع أو حملات موسمية تنتهي بانتهاء الضجيج الإعلامي الأمن يعني في الفهم الهادئ شعور جماعي بالثقة في قدرة الدولة على حماية المواطنين وممتلكاتهم وفرض القانون على الجميع دون استثناء وعندما يبدأ هذا الشعور في التآكل والتلاشي والانسحاب تتسع المسافة بين المواطن والمؤسسات الامنية، ويصبح الخوف اللغة اليومية التي يتداولها الناس في المقاهي والأسواق ومواقع التواصل الاجتماعي.

في كل مرة تقع جريمة مروعة يلتزم المسؤولون الصمت وينتظرون مرور العاصفة، والسؤال الحقيقي لا يتعلق بما حدث فقط انما بما سمح بحدوثه، فالجريمة ليست حادثا معزولا يسقط من السماء، انما نتيجة تراكمات وتراخي القبضة الامنية والعجز عن تقديم الفارق . وعندما تتكرر الاعتداءات والسرقات والاتجار بالمخدرات بشكل يثير القلق فإن الواجب يفرض الانتقال من معالجة النتائج إلى مساءلة الأسباب.

المعضلة الكبرى في المنطقة الأمنية بالخميسات ليس غياب القوانين والموارد البشرية المتمكنة والكوادر المدربة لكن في عملية تدبير الموارد البشرية وتقريب الكفاءات، إلى جانب غياب ثقافة المحاسبة والمقدرة على تحمل المسؤولية في الإخفافات من موقع الاعتراف الضمني أن الراتب الشهري يؤدى بانتظام من أموال دافعي الضرائب وطبيعي أن تكون الخدمة في المستوى وكل فشل يستدعي بالضرورة تقديم الاستقالة وليس في تغيير أدوات اللعبة ودفع الأذى. المسؤول الأعلى في المنطقة الأمنية يتحدث عن الإنجازات في جميع المحطات، لكنه لا يجرؤ على تحمل مسؤولية الإخفاقات وانتشار الجريمة. لان المنصب يعتبر موقع دائم لا يتأثر بنتائج العمل ولا بمستوى الرضا الشعبي وكأن المسؤولية امتياز شخصي وليست تكليفا عموميا مرتبطا بالنتائج.

إن ارتفاع معدلات الجريمة بالخميسات ليس حدثا أمنيا انما استفتاء يومي على فعالية السياسة والاستراتيجية الامنية. فالمواطن الذي يتعرض للسرقة لا يسأل عن التعقيدات الإدارية والأسرة التي تخشى على أبنائها من الانحراف لا يعنيها تبادل الاختصاصات بين المؤسسات، انما تريد نتائج ملموسة ولهذا يصبح تقييم المسؤولين على أساس الواقع والمعالجة الميدانية أمرا ضروريا ومطلوبا، لأن الأرقام الرسمية مهما كانت جميلة لا تستطيع إقناع مواطن يعيش الخوف كل يوم.

ان الوعي بالاصلاح والتغيير ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب تقتضيه المرحلة ولا يجب ان ينظر إلى التغيير في مواقع المسؤولية باعتباره عقابا وانما تصرف اداري تقتضيه المتغيرات الميدانية  لانه ضرورة لتجديد الدماء وضخ أفكار جديدة ومقاربات امنية أكثر فعالية. فالمناصب ليست ملكا للمسؤول وإنما أدوات لخدمة المصلحة العامة وعندما تفشل أداة ما في تحقيق الغاية المرجوة تصبح  الاستقالة او الاقالة  قرارا عقلانيا لا يستوجب الحساسية أو التأويل.

الخوف كل الخوف تطبيع المجتمع مع الجريمة ويصبح سماع أخبار الاعتداءات أمرا عاديا ويتعايش المواطن مع الخوف باعتباره جزءا من حياته اليومية حينها لا تكون الجريمة قد انتصرت على الضحايا لوحدهم وانما انتصرت على الوعي الجماعي نفسه مما يفرض على المنطقة الامنية أن تتعامل مع المؤشرات الأمنية المقلقة باعتبارها جرس إنذار يستدعي التدخل العاجل لا مجرد أرقام في تقرير سنوي.

ان فقدان الأمن بالخميسات ظاهر وواضح وهو بداية فقدان أشياء كثيرة أخرى، الاستثمار، والثقة، والاستقرار الاجتماعي، والشعور بالانتماء للمنطقة ، فإن الحماية الأمنية ليست خدمة تقدمها الدولة للمواطن انها جوهر العقد الذي يربط بينهما وكل مسؤول يعجز عن الوفاء بهذا الالتزام يصبح من المشروع مساءلته وتقييم أدائه واتخاذ ما يلزم من قرارات بشأن موقعه لان المسؤولية لا تقاس بحجم السلطة الممنوحة وعدد السنوات في المنصب، بل بحجم النتائج المحققة وعندما تتسع دائرة الجريمة وتتراجع الطمأنينة، فإن الواقع نفسه يتحول إلى تقرير إدانة صامت يطالب بالمراجعة والمحاسبة والتغيير. لأن أمن المواطنين ليس ملفا تقنيا قابلا للتأجيل والمماطلة، انه حق أساسي لا يقبل المساومة ولا الانتظار وأول معيار تقاس به كفاءة المسؤولين وشرعية بقائهم في مواقع القرار.

لم يعد السؤال الذي يطرحه سكان الخميسات متعلقا بوقوع الجريمة من عدمها انه أصبح متعلقا بقدرة المدينة على استعادة الإحساس بالأمن الذي يبدو أنه يتآكل يوما بعد يوم. فمع كل حادثة اعتداء أو طعن أو سرقة في الشارع العام يتجدد غضب المواطنين وتتسع دائرة القلق، بينما يبقى السؤال معلقا، أين الأمن؟

لا أحد يطلب المستحيل ولا أحد ينتظر مدينة خالية من الجريمة لكن من حق المواطنين أن يتساءلوا عن أسباب تكرار مشاهد العنف في الفضاء العام، وعن أسباب تنامي الشعور بالخوف لدى فئات واسعة من الساكنة. فمن غير الطبيعي أن يتحول السير في بعض الشوارع والأحياء إلى مصدر للقلق ومن غير المقبول أن يشعر المواطن بأن سلامته الجسدية وممتلكاته ليست دائما في مأمن.

إن وظيفة الأمن ليست فقط التدخل بعد وقوع الجريمة انما الحضور الاستباقي الذي يمنع وقوعها من الأصل فالأمن الذي لا يراه المواطن إلا بعد انتشار صور الضحايا ومقاطع الاعتداءات على مواقع التواصل الاجتماعي أمن يطرح أكثر من علامة استفهام والأمن الذي يحضر بعد فوات الأوان لا يبدد الخوف الذي ترسخ في نفوس الناس.

الواقع أن الشارع بالخميسات أصبح يتداول قصص الاعتداءات والسرقات أكثر مما يتداول أخبار التنمية والنجاح وهذا المنحى والاستنتاج القاسي وحده كاف ليدق ناقوس الخطر فحين تصبح الجريمة موضوعا يوميا للنقاش بين المواطنين فإنه يعني أن الشعور بالأمن يتراجع وأن هناك خللا يستوجب التقييم والمراجعة.

المواطن لا يبحث عن بيانات ولا عن أرقام انما يبحث عن نتائج ملموسة يريد أن يرى حضورا أمنيا قويا في الشوارع والأحياء الحساسة قرب المدارس وفي التجمعات السكانية ،يريد أن يشعر بأن القانون حاضر بقوة وأن المجرمين لا يملكون حرية الحركة أكثر من المواطنين الشرفاء. يريد أن يستعيد ثقته في الفضاء العام الذي أصبح بالنسبة للكثيرين مجالا للمخاوف بدل الطمأنينة.

إن أخطر ما في الوضع ليس عدد الجرائم في حد ذاته انما حالة الاعتياد التي بدأت تتسلل إلى النفوس فكل جريمة تمر وكل اعتداء ينسى وكل حالة عنف تطوى صفحاتها دون استخلاص الدروس اللازمة التي تساهم في ترسيخ واقع خطير عنوانه الخوف أصبح جزءا من الحياة اليومية.

واليوم لم يعد أمام المسؤولين عن الأمن ترف الصمت أو الاكتفاء بردود الفعل الظرفية فمدينة الخميسات تحتاج إلى حضور أمني قوي وفعال يعيد الاعتبار لهيبة القانون ويبعث رسالة واضحة مفادها أن أمن المواطنين ليس شعارا يرفع في المناسبات انما حق يومي لا يقبل التهاون أو التأجيل، نعتقد ان الرسالة والفكرة واضحة والتطبيق السليم يكمن  في رفع الراية البيضاء وترك المسؤولية للذين يقدرونها حق تقدير .

Loading

Share
  • Link copied
تعليقات ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (Number of characters left) .